قال - رحمه الله:
{إِن تَجْتَنِبُواْ} أي: تتركوا.
{كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ} أي: كبائر الذنوب التي نهاكم الشرع عنها، مما ذكر ههنا ومما لم يذكر.
{نُكَفّرْ عَنكُمْ سَيّئَاتِكُمْ} أي: صغائر ذنوبكم، ونمحها عنكم، وندخلكم الجنة، كما قال تعالى: {وَنُدْخِلْكُم} في الآخرة.
{مّدْخَلاً كَرِيماً} أي: حسناً وفي الجنة، و (مدخلاً) قرئ بضم الميم، اسم مكان أو مصدر ميمي، أي: إدخالاً مع كرامة، وبفتح الميم، وهو أيضاً يحتمل المكان والمصدر، وفي الآية دليل على أن الصغائر تكفر باجتناب الكبائر، وردّ على من قال: إن المعاصي كلها كبائر، وإنه لا صغيرة.
قال الإمام ابن القيم في"الجواب الكافي": قد دل القرآن والسنة وإجماع الصحابة والتابعين بعدهم والأئمة على أن من الذنوب كبائر وصغائر، قال الله تعالى: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفّرْ عَنْكُمْ سَيّئَاتِكُمْ} [النساء: 31] ، وقال تعالى: {الّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْأِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلّا اللّمَمَ} [النجم: من الآية 32] .
وفي الصحيح عنه صَلّى اللهُ عليّه وسلّم أنه قال: (الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان: مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر) .
وهذه الأعمال المكفرة لها ثلاث درجات:
إحداها: أن تقصر عن تكفير الصغائر لضعفها وضعف الإخلاص فيها، والقيام بحقوقها، بمنزلة الدواء الضعيف الذي ينقص عن مقاومة الداء كمية وكيفية.
الثانية: أن تقاوم الصغائر، ولا ترتقي إلى تكفير شيء من الكبائر.
الثالثة: أن تقوى على تكفير الصغائر، وتبقى فيها قوة تكفر بها بعض الكبائر، فتأمّل هذا، فإنه يزيل عنك إشكالات كثيرة.