قال الآلوسي:
ومن باب الإشارة: {يُرِيدُ الله لِيُبَيّنَ لَكُمْ} بأن يكاشفكم بأسراره المودعة فيكم أثناء السير إليه {وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الذين مِن قَبْلِكُمْ} أي مقاماتهم وحالاتهم ورياضاتهم، وأشار بهم إلى الواصلين إليه قبل المخاطبين، ويجوز أن تكون الإشارة بالسنن إلى التفويض والتسليم والرضا بالمقدور فإن ذلك شنشنة الصديقين ونشنشة الواصلين {وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ} من ذنب وجودكم حين يفنيكم فيه، ويحتمل أن يكون التبيين إشارة إلى الإيصال إلى توحيد الأفعال والهداية إلى توحيد الصفات والتوبة إلى توحيد الذات {والله عَلِيمٌ} بمراتب استعدادكم {حَكِيمٌ} [النساء: 26] ومن حكمته أن يفيض عليكم حسب قابلياتكم والله {يُرِيدُ الله أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ} تكرار لما تقدم إيذاناً بمزيد الاعتناء به لأنه غاية المراتب {وَيُرِيدُ الذين يَتَّبِعُونَ الشهوات} أي اللذائذ الفانية الحاجبة عن الوصول إلى الحضرة {أَن تَمِيلُواْ} إلى السوي {مَيْلاً عَظِيماً} [النساء: 27] لتكونوا مثلهم {يُرِيدُ الله أَن يُخَفّفَ عَنْكُمْ} أثقال العبودية في مقام المشاهدة، أو أثقال النفس بفتح باب الاستلذاذ بالعبادة بعد الصبر عليها {وَخُلِقَ الإنسان ضَعِيفاً} [النساء: 28] عن حمل واردات الغيب وسطوات المشاهدة فلا يستطيع حمل ذلك إلا بتأييد إلهي، أو ضعيفاً لا يطيق الحجاب عن محبوبه لحظة؛ ولا يصبر عن مطلوبه ساعة لكمال شوقه ومزيد غرامه:
والصبر يحمد في المواطن كلها ... إلا عليك فإنه مذموم