وهذا تفسير الجمهور، وعلى هذا فالكلام إطناب، قصد من إطنابه سلوك طريقة الكناية عن صيرورتهم تراباً بالكناية المطلوب بها نِسبةٌ، كقولهم: المجدُ بين ثوبيْه، وقول زياد الأعجم:
إنَّ السَّماحةَ والمُرُوءَة والنَّدى ... في قُبَّة ضُربت على ابن الحشرج
أي أنّه سمح ذو مروءة كريم؛ ويحتمل أن تكون مماثلة في المقدار، فقيل: يودّون أنّهم لم يبعثوا وبَقُوا مستوين مع الأرض في بطنها، وقيل: يودّون أن يُدفنوا حينئذ كما كانوا قبل البعث.
والأظهر عندي: أنّ المعنى التسويةُ في البروز والظهور، أي أن ترتفع الأرض فتُسَوَّى في الارتفاع بأجسادهم، فلا يظهروا، وذلك كناية عن شدّة خوفهم وذلّهم، فينقبضون ويتضاءلون حتّى يودّوا أن يصيروا غير ظَاهرين على الأرض، كما وَصف أحدُ الأعراب يهجو قوماً من طَيّءٍ أنشده المبرّد في الكامل:
إذَا ما قيل أيُّهُمُ لأَي ...
تَشَابَهَتْ المَنَاكِبُ والرُّؤُوسُ
وهذا أحسن في معنى الآية وأنسب بالكناية.
وجملة {ولا يكتمون الله حديثاً} يجوز أن تكون مستأنفة والواو عاطفة لها على جملة {يود} ؛ ويجوز أن تكون حالية، أي يودّون لو تسوّى بهم الأرض في حال عدم كتمانهم، فكأنّهم لمّا رأوا استشهاد الرسل، ورأوا جزاء المشهود عليهم من الأمم السالفة، ورأوا عاقبة كذب المرسَل إليهم حتّى احتيج إلى إشهاد رسلهم، علموا أنّ النَّوبة مفضية إليهم، وخامرهم أن يكتموا الله أمْرَهم إذا سألَهم الله، ولم تساعدهم نفوسهم على الاعتراف بالصدق، لِمَا رأوا من عواقب ثبوت الكفر، من شدّة هلعهم، فوقعوا بين المقتضي والمانع، فتمنّوا أن يَخفَوْا ولا يظهروا حتّى لا يُسألوا فلا يضطرّوا إلى الاعتراف الموبِق ولا إلى الكتمان المهلك. انتهى انتهى. {التحرير والتنوير حـ 4 صـ 131 - 132}
موعظة
قال فِي روح البيان:
لا تضيع أيامك فإن أيامك رأس مالك وإنك ما دمت قابضا على رأس مالك فإنك قادر على طلب الربح لأن بضاعة الآخرة كاسدة فِي يومك هذا فاجتهد حتى تجمع بضاعة الآخرة فِي وقت الكساد فإنما يجيئ يوم تصير هذه البضاعة عزيزة فأكثر منها فِي يوم الكساد ليوم العزة فإنك لا تقدر على طلبها فِي ذلك اليوم
روى أن الموتى يتمنون أن يؤذن لهم بأن يصلوا ركعتين أو يؤذن لهم أن يقولوا مرة واحدة لا إله إلا الله أو يؤذن لهم فِي تسبيحة واحدة فلا يؤذن لهم ويتعجبون من الأحياء أنهم يضيعون أيامهم فِي الغفلة. انتهى انتهى. {روح البيان حـ 2 صـ 258}