[من روائع الأبحاث]
(فصل في الرد على الملحدين)
قال الباقلاني:
فأمّا تعلّقهم بقوله: {إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً} [يونس: 44] ، {وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [فصلت: 46] ، {وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى} [فاطر: 18] ، ونحو هذا، وأنّ ذلك منقوض بقوله تعالى: {كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ} ، ولا جرم - زعموا - للجلود التي لم تكن عليهم في الدنيا، ولم تصحبهم، وتكون من جملتهم وقت المعصية، فعقاب جلودهم وإيلامها على ذنب لم يكن منها ولا هي من جملته وقت اقترافهما: ظلم وعدوان، فإنّه باطل لا تعلق فيه من وجوه:
أحدها: أنّ الأمر في هذا ليس على ما يدّعونه عند أهل الحق من أنّ إيلام الحي على غير جرم ولا لعرض ظلم، وإنّما يكون ذلك ظلما ممن ليس له فعله، ومن نهي عنه وتجاوز ما حدّ له وتصرّف في ملك غيره، والذي هو أملك بالمخلوقات منه، والله تعالى ليس هذه سبيل إيلامه لما آلمه من خلقه، وقد أتلف الأطفال في الدنيا وأباح إيلام الحيوان وذبحه وسلخه وأكله، وكدّه وحمل الأثقال عليه لغير ذنب ولا لغرض، كان مصير البهائم إليه بجزاء وثواب وعذاب، وذلك حسن وعدل منه.
والجواب الآخر: إنّما أراد بقوله: {غيرها} أنّها كلّما نضجت واحترقت فصارت حمما أعيدت حينئذ رطبة مؤتلفة محتملة للألم والعقوبة، فقيل غيرها أي أعيدت كالذي كانت، وعلى صفتها التي صارت بالاحتراق إليها، كما يقول جاءني زيد اليوم بغير الوجه الذي فارقني به بالأمس، أي: بغير صفة الوجه التي كان عليها، وكذلك قولهم: زيد هذا الذي عرفناه وأنت غير الذي كنّا نعرفك، يعنون تغاير صفاته دون ذاته.
ويمكن أيضا أن يقال: إنّ العذاب إنمّا هو على الأرواح دون الخلق، فإذا عظمت جلودهم وأنضجت آلمت أرواحهم، وهي المعاقبة دون الجلود،
فإذا أمكن تخريج هذا على بعض مذاهب المسلمين، فقد خابت آمالهم وانقطع رجاؤهم وزال إشغابهم، وصحّ أنّ القرآن هدى ونور منزل من عند حكيم عليم.
وأيضًا تعلّقهم بقوله: {وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ} ، وأنّه نقيض قوله: {وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً} [النساء: 42] ، لأنّهم إذا حلفوا له أنّهم غير مشركين فقد كتموه حديثا، وأيّ حديث، فإنّه لا تعلّق لهم فيه، لأجل أنّ الله ضمن للموحّدين غفران ما دون الشرك إن شاء، والتجاوز عنهم، والجزاء على إيمانهم، فلمّا رأى المشركون الصفح عنهم، وذكروا ضمان الله الغفران لهم قال بعضهم لبعض إذا سألنا حلفنا أنّا لم نكن مشركين حتى يتجاوز عنّا وذلك قوله: {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ} [المجادلة: 18] ، فلمّا اجتمعوا قال لهم تعالى: {أين شركائي} قالوا عند ذلك: {وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ} ، فلمّا كتموا الشرك الذي كانوا عليه في الدنيا ختم الله عند ذلك على أفواههم وأنطق جوارحهم فتشهد بالشرك عليهم فيودّون أن الأرض انشقت بهم، ولم يكتموا الله ما دانوا به من الشرك.
ويمكن أيضا أن يعني بقوله: {يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ} [النساء: 42] من شدة الهول والجزع، ثم ابتدأ فقال: {وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً} [النساء: 42] ، لأنّه عالم به ولا يقدرون على كتمان ما هو أعلم به منهم، ويمكن أن يكون أراد أنّهم يحلفون أنّهم ما كانوا عند أنفسهم مشركين بالله أي أننا كنا نظنّ أنّنا على الحقّ، وكنّا غير متعمّدين للشرك، وذلك أنّ ما حلفوا عليه غير نافع لهم ولا مقبول منهم، لأنّهم كانوا بصفة من يصحّ علمهم بباطلهم ويتأتى لهم متى أرادوه وقصدوه. انتهى انتهى {الانتصار للقرآن، للباقلاني} ...