والجنُب فُعُل، قيل: مصدر، وقيل: وصف مثل أُجُد، وقد تقدّم الكلام فيه آنفاً عند قوله: {والجار الجنب} [النساء: 36] ، والمراد به المباعد للعبادةِ من الصلاة إذا قارف امرأته حتى يغتسل.
ووصفُ جنُب وصفٌ بالمصدر فلذلك لم يجمع إذْ أخبر به عن جمع، مِن قوله: {وأنتم سكارى} .
وإطلاق الجنابة على هذا المعنى من عهد الجاهلية، فإنّ الاغتسال من الجنابة كان معروفاً عندهم، ولعلّه من بقايا الحنيفية، أو ممّا أخذوه عن اليهود، فقد جاء الأمر بغسل الجنابة في"الاصحاح"15 من سفر اللاويين من التوراة.
وذكر ابن إسحاق في"السيرة"أنّ أبا سفيان، لما رجع مهزوماً من بدر، حلف أن لا يمسّ رأسَه غسلٌ من جنابة حتّى يغزوَ محمّداً.
ولم أقف على شيء من كلام العرب يدلّ على ذكر غسل الجنابة.
والمعنى لا تُصَلُّوا في حال الجنابة حتّى تغتسلوا إلخ.
والمقصود من قوله: {ولا جنباً} التمهيد للتخلّص إلى شرع التَّيمّم، فإنّ حكم غسل الجنابة مقرّر من قبل، فذكره هنا إدماج. انتهى انتهى. {التحرير والتنوير حـ 4 صـ 134}
قوله تعالى {إِلاَّ عَابِرِى سَبِيلٍ}
فصل
قال القرطبي:
قوله تعالى: {إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ} يقال: عبرت الطريق أي قطعته من جانب إلى جانب.
وعَبَرت النهر عُبوراً، وهذا عِبْر النهر أي شطّه، ويقال: عُبْر بالضم.
والمِعْبَر ما يُعْبَر عليه من سفينة أو قنطرة.
وهذا عابرُ السبيل أي مارّ الطريق.
وناقة عُبْرُ أسفار: لا تَزال يُسافَر عليها ويُقطَع بها الفلاة والهاجرة لسرعة مَشيها.
قال الشاعر:
عَيْرَانَةٌ سُرُحُ اليَدَيْنِ شِمِلّةٌ ... عِبْرُ الهَوَاجِرِ كالهِزَفّ الخاضِب
وعَبَر القومُ ماتوا.
وأنشد:
قضاء الله يغلب كلّ شيء ... ويلعب بالجَزُوع وبالصّبُورِ
فإن نَعْبُرْ فإنّ لنا لُمَاتٍ ... وإن نَغْبُر فنحن على نُذُورِ