قال - رحمه الله:
{إِنّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ}
قال أبو السعود: كلام مستأنف مسوق لتقرير ما قبله من الوعيد، وتأكيد وجوب الامتثال بالأمر من الإيمان، ببيان استحالة المغفرة بدونه، فإنهم كانوا يفعلون ما يفعلون من التحريف ويطمعون في المغفرة، كما في قوله تعالى: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ} [الأعراف: من الآية 169] : {يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأدْنَى} أي: على التحريف، {وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا} والمراد بالشرك مطلق الكفر المنتظم لكفر اليهود انتظاماً أولياً، فإن الشرع قد نص على إشراك أهل الكتاب قاطبةً، وقضى بخلود أصناف الكفرة في النار، ونزوله في حق اليهود، كما قال مقاتل، هو الأنسب بسياق النظم الكريم، وسياقه لا يقتضي اختصاصه بكفرهم، بل يكفي اندراجه فيه قطعاً، بل لا وجه له أصلاً، لاقتضائه جواز مغفرة ما دون كفرهم في الشدة من أنواع الكفر، أي: لا يغفر الكفر لمن اتصف به بلا توبة وإيمان، لأن الحكمة التشريعية مقتضية لسد باب الكفر، وجواز مغفرته بلا إيمان مما يؤدي إلى فتحه، ولأن ظلمات الكفر والمعاصي إنما يسترها نور الإيمان، فمن لم يكن له إيمان لم يغفر له شيء من الكفر والمعاصي. انتهى.
قال الشهاب: الشك يكون بمعنى اعتقاد أن لله شريكاً، وبمعنى الكفر مطلقاً، وهو المراد هنا، وقد صرح به في قوله تعالى في سورة (البينة) بقوله: {إِنّ الّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالمشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنّمَ خَالِدِينَ فِيهَا} [البينة: من الآية 6] ، فلا يبقى شبهة في عمومه. انتهى.