[من روائع الأبحاث]
(فصل آخر: من روائع الأدب العربي)
(الحدّ الثاني في السيّادة والولاية)
قال الراغب الأصفهاني:
(1) السيادة والولاية
ما ذكر في حدّ السيادة والسيّد
قيل: لحكيم: ما السؤدد؟، قال: اصطناع العشيرة واحتمال الجريرة وقال غيره:
حمل المكاره وابتناء المكارم، وقيل: بذل الندى وكفّ الأذى ونصرة المولى وتعجيل القرى.
وقيل للاحنف: ما السيّد؟ قال: من حمق في ماله وذلّ في نفسه وعني بأمر عشيرته.
وقيل: من إذا حضر هابوه، وإذا غاب ما اغتابوه. وقيل: من أورى ناره وحمى ذماره ومنع جاره، وأدرك ثاره.
الأحوال الشاقّة التي تبلغ بها الرئاسة
قال بعضهم، لرجل من بني شيبان: بلغني أن السودد فيكم رخيص، فقال: أما نحن فلا نسود إلا من أوطأنا رحله وأفرشنا عرضه، وأخد منّا نفسه وبذل لنا ماله. فقال:
وأبيك إذا فهو فيكم غال.
وقال أمير المؤمنين عليّ كرم الله وجهه: إنما يستحق السيادة من لا يصانع ولا يخادع ولا تغرّه المطامع.
وقيل للأحنف: بم سدت؟ قال: بالخلق السجيح والكفّ عن القبيح، وتجنّب الدنيّ وترك اللسان البذيّ.
وقال معاوية لعرابة الأوسي: بم سدت قومك؟ فقال: لست بسيّدهم ولكني رجل
أعطيت في نائبتهم، وحملت عن سفيههم، وشددت على يد حليمهم، وعطفت على ذي الخلّة منهم. فمن فعل فعلي فهو مثلي ومن قصّر عنّي فأنا أفضل منه. ومن تجاوزني فهو أفضل منّي.
وقال الأحنف: من كان فيه أربع خصال ساد قومه غير مدافع، من كان له دين يحجزه وحسب يصونه وعقل يرشده، وحياء يمنعه. وقيل: من أحب الرئاسة صبر على مضض السياسة.
قال الشاعر:
أترجو أن تسود ولا تعنّي ... وكيف يسود ذو الدعة البخيل
وقال الخبزارزي:
فقل لمرجي معالي الأمور ... بغير اجتهاد طلبت المحالا
جماع أحوال يجب للرؤساء تجنّبها وأحوال يلزمهم فعلها
قال معاوية رضي الله عنه: لا ينبغي للملك أن يكون كذابا، لأنّه إن وعد خيرا لم يرج، وإن أوعد شرّا لم يخف ولا غاشّا لأنه لم ينصح، ولا تصح الولاية إلا بالمناصحة.
ولا حديدا لأنه إذا احتدّ هلكت رعيته، ولا حسودا لأنه لا يشرف أحد فيه حسد، ولا يصلح الناس إلا بأشرافهم. ولا جبانا لأنه يجترئ عليه عدوّه وتضيع ثغوره.
وقال بعضهم: أكره المكاره في السيّد، وأحبّ أن يكون عاقلا متغافلا. كما قال أبو تمام الطائي:
ليس الغبيّ بسيّد في قومه ... لكنّ سيّد قومه المتغابي