[من روائع الأبحاث]
فصل نفيس فِي ذكر الدنيا وأحوالها وتقلبها بأهلها والزهد فيها
قال صاحب المستطرف:
قال الله تعالى:"قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن أتقى"."النساء: 77". فوصف سبحانه وتعالى جميع الدنيا بأنها متاع قليل، وأنت أيها الإنسان تعلم أنك ما أوتيت من القليل إلا قليلا ثم إن القليل إن تمتعت به فهو لعب ولهو لقوله تعالى:"إنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة"."الحديد: 20". وقال تعالى:"وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون"."العنكبوت: 64". فلا تبع أيها العاقل حياة قليلة تفنى بحياة كثيرة تبقى، كما قال ابن عياض: لو كانت الدنيا ذهباً يفنى، والآخرة خزفاً يبقى، لوجب علينا أن نختار ما يبقى على ما يفنى، ثم تأمل بعقلك هل أتاك الله من الدنيا مثل ما أوتي لسليمان عليه الصلاة والسلام حيث ملكه الله تعالى جميع الدنيا من إنس وجن وسخر له الريح والطير والوحوش، ثم زاده الله تعالى أحسن منها حيث قال:"هذا عطاؤنا فآمنن أو أمسك بغير حساب".
فوالله ما عدها نعمة مثل ما عددتموها ولا حسبها رفعة مثل ما حسبتموها، بل خاف أن يكون استدراجاً من حيث لا يعلم فقال:"هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر"."النمل:. 4". وهذا فصل الخطاب لمن تدبر. هذا وقد قال لك ولجميع أهل الدنيا:"فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون"."الحجر: 93". وقال تعالى"وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين"."الأنبياء: 47".