[من روائع الأبحاث والمواعظ]
(فصل: في المواعظ والرقائق)
قال ابن الجوزي:
الجادة السليمة والطريق القويمة، الاقتداء بصاحب الشرع. والبدار إلى الاستنان به، فهو الكامل الذي لا ينقص فيه.
فإن خلقاً كثيراً انحرفوا إلى جادة الزهد، وحملوا أنفسهم فوق الجهد، فأفاقوا في أواخر العمر، والبدن قد نهك، وفاتت أمور مهمة من العلم وغيره.
وإن أقواماً انحرفوا إلى صورة العلم فبالغوا في طلبه، فأفاقوا في أواخر قدم، وقد فاتهم العمل به.
فطريق المصطفى صلى الله عليه وسلم العلم والعمل، والتلطف بالبدن.
كما أوصى عبد الله بن عمر، عمرو بن العاص وقال له: إن لنفسك عليك حقاً، ولزوجك عليك حقاً.
فهذه هي الطريق الوسطى والقول الفصل.
فأما اليبس المجرد، فكم فوت من علم، لو حصل نيل به أكثر مما نيل بالعمل.
فإن مثل العالم كرجل يعرف الطريق، والعابد جاهل بها، فيمشي العابد من الفجر إلى العصر، ويقوم العالم قبيل العصر فيلتقيان وقد سبق العالم فضل شوطه.
فإن قال قائل: بين لي هذا، قلت: صورة التعبد خدمة لله تعالى، وذل له، وربما لم يطلع العابد على معنى تلك الصورة، لأنه ربما ظن أنه أهل لوجود الكرامة على يده، وأنه مستحق تقبيل يده، أو إنه خير من كثير من الناس، وذلك كله لقة العلم.
وأعني بالعلم فهو أصول العلم، لا كثرة الرواية ومطالعة مسائل الخلاف.
فإذا طالع العالم الأصولي، سبق هذا العابد بحسن خلق، ومداراة الناس، وتواضعه في نفسه، وإرشاده الخلق إلى الله تعالى.
فيعسر هذا على العابد، وهو في ليل جهله بالحال راقد.
ربما تزوج العابد ثم حمل نفسه على التجفف فحبس زوجته عن مطلوب ولم يطلقها، وصار كالتي حبست الهرة فلا هي أطعمتها ولا هي أرسلتها تأكل من خشاش الأرض.
ومن تأمل حالة الرسول صلى الله عليه وسلم، رأى كاملاً من الخلق يعطي كل ذي حق حقه.
فتارة يمزح، وتارة يضحك، ويداعب الأطفال، ويسمع الشعر، ويتكلم بالمعاريض، ويحسن معاشرة النساء، ويأكل ما قدر عليه وأتيح له، وإن كان لذيذاً كالعسل. ويستعذب له الماء، ويفرش له في الظل، ولم ينكر ذلك.
ولم يسمع عنه ما حدث بعده من جهال المتصوفة والمتزهدين، ومن منع النفس شهواتها على الإطلاق.
فقد كان يأكل البطيخ بالرطب، ويقبل، ويمص اللسان، ويطلب المستحسنات.
فأما أكل خبز الشعير ووزن المأكول، وتجفيف البدن، وهجر كل مشتهى، فإنه تعذيب للنفس، وهدم للبدن، لا يقتضيه عقل، ولا يمدحه شرع.