(فصل: في المواعظ والرقائق)
قال ابن الجوزي:
إخواني الْخلْوَة مهر بكر الْفِكر وَسلم مِعْرَاج الهمة حَرِيم الْعُزْلَة مصون من عيب غيث عَبث إِذا خلت دَار الْخلْوَة عَن الصُّور تفرغ الْقلب لملاحظة الْمعَانِي
(أوحشتني خلواتي ... بك من كل أنيس)
(وتفردت فعاينتك ... بِالْغَيْبِ جليسي)
(وَدَعَانِي الوجد وَالْحب ... إِلَى الْمَعْنى النفيس)
(فَبَدَا لي أَن مهر الْحبّ ... أنفاس النُّفُوس)
(فَكتبت الْعَهْد للحب ... على طرس الرسيس)
يَا هَذَا إِذا رزقت يقظة فصنها فِي بَيت عزلة فَإِن أَيدي المعاشرة نهابة احذر معاشرة الْجُهَّال فَإِن الطَّبْع لص لَا تصادقن فَاسِقًا فَإِن من خَان أول منعم عَلَيْهِ لَا يَفِي لَك يَا أفراخ التَّوْبَة لازموا أوكار الْخلْوَة فَإِن هر الْهوى صيود إياك والتقرب من طرف الوكر وَالْخُرُوج من بَيت الْعُزْلَة حَتَّى يتكامل نَبَات الخوافي وَإِلَّا كنت رزق الصَّائِد الْأنس بالأنس ربق المخالطة توجب التَّخْلِيط وأيسر تأثيرها تشتيت الْهم
(أقل مَا فِي سُقُوط الذِّئْب فِي غنم ... إِن لم يصب بَعْضهَا أَن ينفر الْغنم)
قطع العلائق أصل الْأُصُول فرغ لي بَيْتا أسْكنهُ إِن الطَّائِر إِذا كَانَ زاقا لم يُرْسل فِي كتاب تأملوا إِلَى الْفرس إِذا قدم إِلَى المَاء الصافي كَيفَ يضْرب بيدَيْهِ فِيهِ حَتَّى يتكدر أَتَدْرُونَ لم لِأَنَّهُ يرى صُورَة نَفسه فِي المَاء الصافي وَصُورَة غَيره فيكدره حَتَّى لَا تتبين فِيهِ
الصُّور فيتهنى بالشرب لَا يظْهر فِي خلْوَة المتيقظ إِلَّا الْحق كَاد أويس يهرب من النَّاس فَيَقُولُونَ مَجْنُون وصف الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لأَصْحَابه حلية حلته فقوي توق عمر وَكَانَ فِي كل عَام يسْأَل عَنهُ أهل الْيمن
(أَلا أَيهَا الركب اليمانون عرجوا ... علينا فقد أَمْسَى هوانا يَمَانِيا)
(نسائلكم هَل سَالَ نعْمَان بَعدنَا ... وَحب إِلَيْنَا بطن نعْمَان وَاديا)
لما كَانَت آخر حجَّة حَجهَا عمر قَامَ على أبي قيس فَنَادَى بِأَعْلَى صَوته أفيكم أويس
للشريف الرضي
(وَإِنِّي للشوق من بعدهمْ ... أراعي الْجنُوب رواحا ومغدى)
(وأفرح من نَحْو أوطانهم ... بغيث يجلجل برقا ورعدا)
(إِذا طلع الركب يممتهم ... أحيي الْوُجُوه كهولا ومردا)
(واسألهم عَن عقيق الْحمى ... وَعَن أَرض نجد وَمن حل نجدا)
(نشدتكم الله فليخبرن ... من كَانَ أقرب بالرمل عهدا)