[من روائع الأبحاث]
(فصل)
قال الماوردي:
اعْلَمْ - جَعَلَ اللَّهُ الْعِلْمَ حَاكِمًا لَك وَعَلَيْك، وَالْحَقَّ قَائِدًا لَك وَإِلَيْك - إنَّ الدُّنْيَا إذَا وَصَلَتْ فَتَبِعَاتٌ مُوبِقَةٌ، وَإِذَا فَارَقَتْ فَفَجَعَاتٌ مُحْرِقَةٌ. وَلَيْسَ لِوَصْلِهَا دَوَامٌ وَلَا مِنْ فِرَاقِهَا بُدٌّ، فَرُضْ نَفْسَك عَلَى قَطِيعَتِهَا لِتَسْلَمَ مِنْ تَبِعَاتِهَا، وَعَلَى فِرَاقِهَا لِتَأْمَنَ فَجِعَاتِهَا. فَقَدْ قِيلَ: الْمَرْءُ مُقْتَرِضٌ مِنْ عُمُرِهِ الْمُنْقَرِضِ. مَعَ أَنَّ الْعُمُرَ وَإِنْ طَالَ قَصِيرٌ، وَالْفَرَاغَ وَإِنْ تَمَّ يَسِيرٌ.
وَأَنْشَدْت لِعَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
إذَا كَمُلَتْ لِلْمَرْءِ سِتُّونَ حِجَّةً ... فَلَمْ يَحْظَ مِنْ سِتِّينَ إلَّا بِسُدْسِهَا
أَلَمْ تَرَ أَنَّ النِّصْفَ بِاللَّيْلِ حَاصِلٌ ... وَتَذْهَبُ أَوْقَاتُ الْمَقِيلِ بِخُمْسِهَا
فَتَأْخُذُ أَوْقَاتُ الْهُمُومِ بِحِصَّةٍ ... وَأَوْقَاتُ أَوْجَاعٍ تُمِيتُ بِمُسِنِّهَا
فَحَاصِلُ مَا يَبْقَى لَهُ سُدُسُ عُمُرِهِ ... إذَا صَدَّقَتْهُ النَّفْسُ عَنْ عِلْمِ حَدْسِهَا
وَرِيَاضَةُ نَفْسِك، لِذَلِكَ، تَتَرَتَّبُ عَلَى أَحْوَالٍ ثَلَاثٍ، وَكُلُّ حَالَةٍ مِنْهَا تَتَشَعَّبُ، وَهِيَ لِتَسْهِيلِ مَا يَلِيهَا سَبَبٌ.
فَالْحَالَةُ الْأُولَى: أَنْ تَصْرِفَ حُبَّ الدُّنْيَا عَنْ قَلْبِك فَإِنَّهَا تُلْهِيك عَنْ آخِرَتِك، وَلَا تَجْعَلْ سَعْيَك لَهَا فَتَمْنَعَك حَظَّك مِنْهَا، وَتَوَقَّ الرُّكُونَ إلَيْهَا، وَلَا تَكُنْ آمِنًا لَهَا. فَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: مَنْ أَشْرَبَ قَلْبَهُ حُبَّ الدُّنْيَا وَرَكَنَ إلَيْهَا الْتَاطَ مِنْهَا بِشُغْلٍ لَا يَفْرُغُ عَنَاهُ، وَأَمَلٍ لَا يَبْلُغُ مُنْتَهَاهُ، وَحِرْصٍ لَا يُدْرِكُ مَدَاهُ.