إنما قلنا: انه عالم بقبح الكذب، وعالم بكونه غنياً عنه لأن الكذب قبيح لكونه كذبا، والله تعالى غير محتاج إلى شيء أصلا، وثبت أنه عالم بجميع المعلومات فوجب القطع بكونه عالما بهذين الأمرين، وأما أن كل من كان كذلك استحال أن يكذب فهو ظاهر لأن الكذب جهة صرف لا جهة دعاء، فإذا خلا عن معارض الحاجة بقي ضارا محضا فيمتنع صدور الكذب عنه، وأما أصحابنا فدليلهم أنه لو كان كاذبا لكان كذبه قديما، ولو كان كذبه قديما لامتنع زوال كذبه لامتناع العدم على القديم، ولو امتنع زوال كذبه قديما لامتنع كونه صادقا، لأن وجود أحد الضدين يمنع وجود الضد الآخر، فلو كان كاذبا لامتنع أن يصدق لكنه غير ممتنع، لانا نعلم بالضرورة أن كل من علم شيئا فإنه لا يمتنع عليه أن يحكم عليه بحكم مطابق للمحكوم عليه، والعلم بهذه الصحة ضروري، فإذا كان إمكان الصدق قائما كان امتناع الكذب حاصلا لا محالة، فثبت أنه لا بد من القطع بكونه تعالى صادقا. انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 10 صـ 173}
{وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ الله حَدِيثاً} الاستفهام إنكاري، والتفضيل باعتبار الكمية في الأخبار الصادقة لا الكيفية إذ لا يتصور فيها تفاوت لما أن الصدق المطابقة للواقع وهي لا تزيد، فلا يقال لحديث معين: إنه أصدق من آخر إلا بتأويل وتجوز، والمعنى لا أحد أكثر صدقاً منه تعالى في وعده وسائر أخباره ويفيد نفي المساواة أيضاً كما في قولهم: ليس في البلد أعلم من زيد، وإنما كان كذلك لاستحالة نسبة الكذب إليه سبحانه بوجه من الوجوه، ولا يعرف خلاف بين المعترفين بأن الله تعالى متكلم بكلام في تلك الاستحالة، وإن اختلف مأخذهم في الاستدلال.