الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (64) }
يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: لَمْ نُرْسِلْ يَا مُحَمَّدُ رَسُولًا إِلَّا فَرَضْتُ طَاعَتَهُ عَلَى مَنْ أَرْسَلْتُهُ إِلَيْهِ , يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَأَنْتَ يَا مُحَمَّدُ مِنَ الرُّسُلِ الَّذِينَ فَرَضْتُ طَاعَتَهُمْ عَلَى مَنْ أَرْسَلْتُهُ إِلَيْهِ.
وَإِنَّمَا هَذَا مِنَ اللَّهِ تَوْبِيخٌ لِلْمُحْتَكِمِينَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ كَانُوا يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا اخْتَصَمُوا فِيهِ إِلَى الطَّاغُوتِ , صُدُودًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. يَقُولُ لَهُمْ تَعَالَى ذِكْرُهُ: مَا أَرْسَلْتُ رَسُولًا إِلَّا فَرَضْتُ طَاعَتَهُ عَلَى مَنْ أَرْسَلْتُهُ إِلَيْهِ , فَمُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أُولَئِكَ الرُّسُلِ , فَمَنْ تَرَكَ طَاعَتَهُ وَالرِّضَا بِحُكْمِهِ وَاحْتَكَمَ إِلَى الطَّاغُوتِ , فَقَدْ خَالَفَ أَمْرِي وَضَيَّعَ فَرْضِي. ثُمَّ أَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّ مِنْ أَطَاعَ رُسُلَهُ , فَإِنَّمَا يُطِيعُهُمْ بِإِذْنِهِ , يَعْنِي بِتَقْدِيرِهِ ذَلِكَ وَقَضَائِهِ السَّابِقِ فِي عِلْمِهِ وَمَشِيئَتِهِ.
عَنْ مُجَاهِدٍ , فِي قَوْلِ اللَّهِ: {إِلَّا لَيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ} وَاجِبٌ لَهُمْ أَنْ يُطِيعَهُ مَنْ شَاءَ اللَّهُ , وَلَا يُطِيعُهُمْ أَحَدٌ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ""
وَإِنَّمَا هَذَا تَعْرِيضٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِهَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ تَرْكَهُمْ طَاعَةَ اللَّهِ وَطَاعَةَ رَسُولِهِ وَالرِّضَا بِحُكْمِهِ , إِنَّمَا هُوَ لِلسَّابِقِ لَهُمْ مِنْ خِذْلَانِهِ وَغَلَبَةِ الشَّقَاءِ عَلَيْهِمْ , وَلَوْلَا ذَلِكَ لَكَانُوا مِمَّنْ أَذِنَ لَهُ فِي الرِّضَا بِحُكْمِهِ وَالْمُسَارَعَةِ إِلَى طَاعَتِهِ.