فصل
قال ابن عاشور:
والخطاب في قوله: {ما أصابك} خطاب للرسول، وهذا هو الأليق بتناسق الضمائر، ثم يعلم أن غيره مثله في ذلك.
وقد شاع الاستدلال بهذه الآية على أنّ أفعال العباد مخلوقة لله تعالى على طريقة الشيخ أبي الحسن الأشعري لقوله: {قل كلّ من عند الله} ، كما شاع استدلال المعتزلة بها على أنّ الله لا يخلق المعصية والشرّ لقوله: {وما أصابك من سيّئة فمن نفسك} .
وقال أبو الحسن شبيب بن حيدرة المالكي في كتاب"حَزّ الغلاصم": إنّ الاحتجاج بها في كلا الأمرين جهل لابتنائه على توهّم أنّ الحسنة والسيّئة هي الطاعة والمعصية، وليستا كذلك.
وأنا أقول: إنّ أهل السنّة ما استدلّوا بها إلاّ قَوْلاً بموجَب استدلال المعتزلة بها على التفرقة بين اكتساب الخير والشّر على أنّ عموم معنى الحسنة والسيئة كما بيَّنْته آنفاً يجعل الآية صالحة للاستدلال، وهو استدلال تقريبي لأنّ أصول الدين لا يستدلّ فيها بالظواهر كالعموم.
وجيء في حكاية قولهم: {يقولوا هذه من عند الله يقولوا هذه من عندك} بكلمة (عنِد) للدلالة على قوّة نسبة الحسنة إلى الله ونسبة السيّئة للنبيء عليه الصلاة والسلام أي قالوا ما يُفيد جزمهم بذلك الانتساب.
ولمّا أمر الله رسوله أن يجيبهم قال: {قل كلّ من عند الله} مشاكلة لقولهم، وإعراباً عن التقدير الأزلي عند الله.
وأمّا قوله: {ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيّئة فمن نفسك} فلم يؤت فيه بكلمة (عند) ، إيماء إلى أنّ ابتداء مجيء الحسنة من الله ومجيء السيِّئة من نفس المخاطب، ابتداءُ المتسبّب لِسبب الفعل، وليسَ ابتداءَ المؤثِّر في الأثر. انتهى انتهى. {التحرير والتنوير حـ 4 صـ 196 - 197}