الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (88) }
يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ} فَمَا شَأْنُكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ فِي أَهْلِ النِّفَاقِ فِئَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ {وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا}
يَعْنِي بِذَلِكَ: وَاللَّهُ رَدَّهُمْ إِلَى أَحْكَامِ أَهْلِ الشِّرْكِ فِي إِبَاحَةِ دِمَائِهِمْ وَسَبْيِ ذَرَارِيهِمْ ,
وَالْإِرْكَاسُ: الرَّدُّ , وَمِنْهُ قَوْلُ أُمَّيَةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ:
[البحر البسيط]
فَأُرْكِسُوا فِي حَمِيمِ النَّارِ إِنَّهُمُ ... كَانُوا عُصَاةً وَقَالُوا الْإِفْكَ وَالزُّورَا
يُقَالُ مِنْهُ: أَرْكَسَهُمْ وَرَكَسَهُمْ.
وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّهَا فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ وَأُبَيِّ: وَاللَّهُ رَكَسَهُمْ بِغَيْرِ أَلِفٍ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الَّذِينَ نَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الْآيَةُ , فَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَزَلَتْ فِي اخْتِلَافِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ , وَانْصَرَفُوا إِلَى الْمَدِينَةِ , وَقَالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَلِأَصْحَابِهِ: {لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ}
عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ , قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ الْأَنْصَارِيَّ , يُحَدِّثُ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا خَرَجَ إِلَى أُحُدٍ , رَجَعَتْ طَائِفَةٌ مِمَّنْ كَانَ مَعَهُ , فَكَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِمْ فِرْقَتَيْنِ , فِرْقَةٌ تَقُولُ: نَقْتُلُهُمْ , وَفِرْقَةٌ تَقُولُ: لَا. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا} الْآيَةُ , فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَدِينَةِ: «إِنَّهَا طَيِّبَةٌ وَإِنَّهَا تَنْفِي خَبَثَهَا كَمَا تَنْفِي النَّارُ خَبَثَ الْفِضَّةِ»