[من روائع الأبحاث]
(فصل آخر: من روائع الأدب العربي)
(وممّا جاء في التحية والأدعية والتهنئة)
قال الراغب الأصفهاني:
الحثّ على التحيّة ووصف فضلها
قال النبي صلّى الله عليه وسلم: إذا التقيتم فابدؤا بالسلام قبل الكلام، ومن بدأ بالكلام فلا تجيبوه وقال صلّى الله عليه وسلم: بلوا أرحامكم ولو بالسلام.
وقال بعضهم: بثوا السلام فهو رفع للضغينة بأيسر مؤنة واكتساب أخوة بأهون عطية.
قال شاعر:
كيف أصبحت كيف أمسيت ممّا ... يزرع الودّ في قلوب الكرام
عنى تحية فقال هدية فلانا وقال رجل لآخر: أبلغ حسنة ومحمل خفيف.
الحثّ على الجواب
روي أن التحية نافلة والجواب فريضة ويدل على ذلك قوله تعالى: (وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها) .
ومر رجل بقوم فسلم فلم يردّوا عليه، فقال: يا عجبا ممن خولتهم نافلة فمنعوا عني واجبا. وسلم نصراني على الشعبي فقال: وعليك السلام ورحمة الله، فقيل: أتقول ذلك لنصراني؟ فقال: أليس في رحمة الله يعيش؟ وقال صلّى الله عليه وسلم: أطعموا الطعام وأفشوا السلام وصلوا الأرحام وصلوا بالليل والناس نيام.
ذمّ من بخل بالتحيّة وعذره
أنشد ثعلب:
ومالك نعمة سلفت إلينا ... فكيف نراك تبخل بالسّلام
وقال كشاجم:
إذا كاتبوا صادقوا في الدعا ... كان دعاءهم مستجاب
وأنشد المبرّد:
إذا لم تجد بجميل الكلام ... فما الذي بعده تبذل؟
وقال آخر:
يا جوادا بالثّراء ... وبخيلا بالدّعاء
فتفضّل يا أخا ... الفضل بتفخيم الثّناء
وسلم آخر على رجل بسوطه فلم يجبه، فقيل له في ذلك، فقال: سلم عليّ بالإيماء فرددت عليه بالضمير:
لقد مرّ عمرو على مجلسي ... فسلّم تسليمة خافيه
لئن تاه عمرو بفضل الغنى ... لقد فضّل الله بالعافيه
وقيل: من بدأ بغيضا بالسلام فهو أبغض منه.
وقال ابن المقفع: لا تكوننّ نزر الكلام والسلام ولا تتهافتن بالبشاشة والهشاشة، فإن أحدهما كبر والآخر سخف.
وقال الشعبي: انتهت التحية إلى قولهم وبركاته. ولقي رجل أبا العيناء فقال أطال الله بقاءك وأدام عزك وتأييدك، فقال: هذا العنوان ما هو.
وقال المتنبي في عذر تخفيف السلام:
أقلّ سلامي حبّ ما خفّ عنكم ... واسكت كيما لا يكون جواب