قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ...(58) . إلى قوله جل قوله: (سَمِيعًا بَصِيرًا)
الأمانة: كل ما ائتمنت عليه بنية توجب عليك أداءها بحكم أحكام الدنيا.
والأمانة الكبرى ما قررك من الإقرار له بالربوبية، وعلى نفسك بالعبودية،
والتزام التوحيد والإيمان بالله وبرسله وكتبه، وأشهدك بذلك على نفسك، ثُمَّ أوجدك
بها ونبهك بشواهده وآياته، وأكد ذلك بإرساله وإنزاله الكتب، فهذا أمانته عندك؛
لتؤديها إليه يوم رجوعك إليه، كما أشهدك إياها وشهد بها عليك، ثم ما ائتمنك عليه
من مقتضى أوامره ونواهيه على جميع تفصيل ذلك أن تؤديها إليه في جملة أعمالك
مما استودعته، وائتمنته إياه أن يؤدي ذلك إلى من استودعته، وأنت من طلاقة الوجه
يوم الأداء وطيب النفس كاليوم الذي استودعك.
وآما معنى قول الله - جلَّ جلالُه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا
أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (27) . فالأمانات كلها في هذا الذكر، وهو أعلم ما
جعله في قلوب العباد من زواجر على إتيان معاصيه، وترغيب ونزاع إلى العمل
بطاعته، وذلك عظمه في قلب كل مؤمن.
وقد بيَّن القرآن العزيز هذه الأمانات ما هن، وبيَّنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأن جملتها
قوله جلَّ قوله: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) وأن ظلهم الذي
يدخلهم فيه على الإجمال ما عبَّر عنه قوله الحق - جلَّ جلالُه: (أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ
مُهْتَدُونَ (82) .
وقوله الحق: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا) .
(وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ) .
وأن ظله الظليل في الدنيا: الهداية والولاية، والإرشاد إلى ما يرضيه، والعون
منه والاستعمال له، وفي عرصة يوم القيامة ظل الغمام من حرِّ هجير جهنم إذا قربت
من وهج الشمس يومئذٍ، إذا هي أدنيت من الخلائق.
وأن ظله في دار القرار: ما عبَّر عنه اسم الرضوان، حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي