يعني بقوله:"عن جنابة"، عن بعد وغُربة. ومنه، قيل:"اجتنب فلان فلانًا"، إذا بعد منه"وتجنّبه"، و"جنَّبه خيره"، إذا منعه إياه. ومنه قيل للجنب:"جُنُب"، لاعتزاله الصلاة حتى يغتسل.
فمعنى ذلك: والجار المجانب للقرابة. انتهى انتهى. {تفسير الطبري حـ 8 صـ 339 - 340}
فصل
قال ابن عاشور:
والجار هو النزيل بقرب منزلك، ويطلق على النزيل بين القبيلة في جوارها، فالمراد بـ {الجار ذي القربى} الجار النسيب من القبيلة، وب {الجار الجنب} الجار الغريب الذي نزل بين القوم وليس من القبيلة، فهو جُنُب، أي بعيد، مشتقّ من الجَانب، وهو وصف على وزن فُعُل، كقولهم: ناقة أجُد، وقيل: هو مصدر، ولذلك لم يُطابق موصوفه، قال بَلْعَاء بن قيس:
لا يجتوينا مُجَاور أبداً ... ذُو رحم أو مُجَاور جُنُب
ويشهد لهذا المعنى قول علقمة بن عبدة في شعره الذي استشفع به عند الملك الحارث ابن جبلة الغسّاني، ليطلق له أخاه شَاسا، حين وقع في أسر الحارث:
فلا تَحْرِمَنِّي نَائِلاً عن جَنَابَةٍ ... فإنِّي امرؤٌ وَسْط القباب غريب
وفسّر بعضهم الجار ذا القربى بقريب الدار، والجُنُبُ بعيدها، وهذا بعيد، لأنّ القربى لا تعرف في القرب المكاني، والعرب معروفون بحفظ الجوار والإحسان إلى الجار، وأقوالهم في ذلك كثيرة، فأكّد ذلك في الإسلام لأنّه من محامد العرب التي جاء الإسلام لتكميلها من مكارم الأخلاق، ومن ذلك الإحسان إلى الجار.
وأكّدت السنّة الوصاية بالجار في أحاديث كثيرة: ففي"البخاري"عن عائشة أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال"ما زال جبريل يوصيني بالجار حتّى ظننت أنّه سيورّثه".
وفيه عن أبي شريح: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم خرج وهو يقول:"والله لاَ يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن".