قوله - جلَّ جلالُه: (كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ) نصب على الإغراء هذا الخطاب
كما جاء، وعلى الوجه الذي نظمه - جلَّ جلالُه - هو الحق، فتربص بفهمك عليه ففيه حكم لله
خفي على الأكثر فتطلبه، فقد أمرك بذلك أيها التالي كتابه الطالب في كتابه.
ألا تسمعه يصرح بالتنبيه في قوله جلَّ قوله: (كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ) ولو كان ظاهر
الخطاب هو المراد لم يكن هكذا بل قدم وأخَّر وأمر ونهي ونصح، وأعلم بالحق
الذي إليه المصير إن شاء اللَّه والحمد لله رب العالمين.
فدونك وإياه وهو أمر عزم بالتزام أحكام القرآن، وامتثال أوامره واجتناب نواهيه،
وتطلب معانيه وتعلم أنواع خطابه، وقد تقدم ذوق من جمع متفرقه في أثناء الخطاب
من توصيل وتفصيل، ولذلك وهو أعلم كتاب الله عليكم إغراء بالتفهم عنه.
أتبع ذلك (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ) فنصَّ - جلَّ جلالُه - على المحرمات، وأطلق
التحليل على من سواهن(أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ
بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ
إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ... )إلى قوله جل قوله: (وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ) فذكر جل ذكره كيف يبتغى النكاح فيمن أحل من الحرائر
والإماء، وشرط العفاف والتعفف في المنكحات والناكحين.
ثم ذكر جلَّ ذكره حد الأَمَة إذا حُصنت، وأنه نصف حد المحصنة الحرة، وقد
كان تقدم أن حد الحرة جلد مائة أو الرجم للمحصنة، ولما لم يتبعض الرجم كان
حدها نصف المائة جلدة.
(فصل)
هذا نصٌّ على تحيل نكاح المتعة في القرآن العزيز أباحه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حال
الضرورة مرتين في غزة خيبر، وفي غزة عام الفتح، ثم نهى عنه حال السعة، وأبقى
خطه في القرآن إرصادًا لمثلها، فليس إذًا بنسخ إنما هو بمثابة الأمر بالصبر على إذاء
المشركين، والكف عنهم في حال الضعف، ثم الأمر بالقتال والانتصار منهم إلى
مثل ذلك، فافهم.