فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ إِذْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا وَصَفْنَا: وَمَنْ لَمْ يَجِدْ مِنْكُمْ سَعَةً مِنْ مَالٍ لِنِكَاحِ الْحَرَائِرِ , فَلْيَنْكِحْ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ.
وَأَصْلُ الطَّوْلِ: الْإِفْضَالُ , يُقَالَ مِنْهُ: طَالَ عَلَيْهِ يَطُولُ طَوْلًا فِي الْإِفْضَالِ , وَطَالَ يَطُولُ طَوْلًا فِي الطُّولُ الَّذِي هُوَ خِلَافُ الْقِصَرِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ}
يَعْنِي بِذَلِكَ: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ طَوْلًا , يَعْنِي: مِنَ الْأَحْرَارِ أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ وَهُنَّ الْحَرَائِرُ الْمُؤْمِنَاتُ اللَّوَاتِي قَدْ صَدَّقْنَ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ وَبِمَا جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْحَقِّ.
عَنِ السُّدِّيِّ: «أَمَّا فَتَيَاتُكُمْ فَإِمَاؤُكُمْ»
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: «مَنْ لَمْ يَجِدْ مَا يَنْكِحُ بِهِ حُرَّةً فَيَنْكِحُ هَذِهِ الْأَمَةَ فَيَتَعَفَّفُ بِهَا وَيَكْفِيهِ أَهْلُهَا مُؤْنَتَهَا , وَلَمْ يُحِلَّ اللَّهُ ذَلِكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِمَنْ لَا يَجِدُ مَا يَنْكِحُ بِهِ حُرَّةً وَيُنْفِقُ عَلَيْهَا , وَلَمْ يُحِلَّ لَهُ حَتَّى يَخْشَى الْعَنَتَ»
وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ جَمَاعَةٌ مِنْ قُرَّاءِ الْكُوفِيِّينَ وَالْمَكِّيِّينَ: (أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصِنَاتِ) بِكَسْرِ الصَّادِ مَعَ سَائِرِ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ نَظَائِرِ ذَلِكَ سِوَى قَوْلِهِ: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} فَإِنَّهُمْ فَتَحُوا الصَّادَ مِنْهَا , وَوَجَّهُوا تَأْوِيلَهُ إِلَى أَنَّهُنَّ مُحْصَنَاتٌ بِأَزْوَاجِهِنَّ , وَأَنَّ أَزْوَاجَهُنَّ هُمْ أَحْصَنُوهُنَّ.
وَأَمَّا سَائِرُ مَا فِي الْقُرْآنِ فَإِنَّهُمْ تَأَوَّلُوا فِي كَسْرِهِمُ الصَّادَ مِنْهُ إِلَى أَنَّ النِّسَاءَ هُنَّ أَحْصَنَّ أَنْفُسَهُنَّ بِالْعِفَّةِ.
وَقَرَأتِ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالْعِرَاقِ ذَلِكَ كُلَّهُ بِالْفَتْحِ , بِمَعْنَى أَنَّ بَعْضَهُنَّ أَحْصَنَهُنَّ أَزْوَاجُهُنَّ , وَبَعْضَهُنَّ أَحْصَنَهُنَّ حُرِّيَتُهُنَّ أَوْ إِسْلَامُهُنَّ.