إذن فالأمانة والصدق والوفاء وكل هذه القيم أمور معترف بها بالفطرة ، فساعة يوجد إنسان لم يقو على حمل نفسه على جادة اليم ، ووجد هذا الإنسان واحداً آخر قدر على أن يحمل نفسه على جادة القيم فهو يصاب بالضيق الشديد ، وما الذي يشفيه ويريحه ؟ إنه لا يقدر أن يصوِّب عمله وسلوكه ويقوّم من اعوجاج نفسه ؛ لذلك يحاول أن يجعل صاحب السلوك القويم منحرفاً مثله ، وإن كانت الصداقة تربط بين اثنين وانحراف أحدهما فالمنحرف يستخذي أمام نفسه بانحرافه ، ويحاول أن يشد صديقه إلى الانحراف كي لا يكون مكسور العين أمامه. وهو لا يريده منحرفاً مثله فقط بل يريده أشد انحرافاً ؛ ليكون هو متميزاً عليه. إذن فالقيم معترف بها أيضاً حتى لدى المنحرفين ، واذكروا جيداً أننا نقرأ في سورة يوسف هذا القول الحكيم:
{وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [يوسف: 26] .
هم في السجن مع يوسف ، لكن لكلٍ سبب في أنَّهم سجنوه ، فسبب هؤلاء الذين سألوا يوسف هو أنهم أجرموا ، لكن سبب وجود يوسف في السجن أنه بريء والبريء كل فكره في الله ، أما الذين انحرفوا ودخلوا معه السجن عندما ينظرون إليه يجدونه على حالة حسنة ، بدليل أن أمراً جذبهم وهمّهم في ذاتهم بأن رأوا رؤيا ، فذهبوا لمن يعرفون أنه إنسان طيب برغم وجوده معهم في السجن ، فقد أعجبوا به بدليل أنهم قالوا له: {إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} . ومن يقول: {إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} لا بد أن تكون عنده قدرة على تمييز القيم ، ثم قاسوا فعل يوسف عليها فوجدوها حسنة ، وإلا فكيف يُعرف ؟. إذن فالقيم معروفة عندهم ، فلما جاء أمر يهمهم في ذاتهم ذهبوا إلى يوسف.