قيل: كلا القولين ضعيف، والصواب الأول، لأنه سبحانه قال: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ} [البقرة: 78] ، وهذا الاستثناء إما أن يكون متصلًا أو منقطعًا، فإن كان متصلًا لم يجز استثناء الكذب ولا أماني القلب من الكتاب، وإن كان منقطعًا فالاستثناء المنقطع إنما يكون فيما كان نظير المذكور وشبيهًا له من بعض الوجوه، فهو من جنسه الذي لم يذكر في اللفظ، ليس من جنس المذكور؛ ولهذا لا يصلح المنقطع حيث يصلح الاستثناء المفرغ، وذلك كقوله: {لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ} ثم قال: {إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى} [الدخان: 56] فهذا منقطع؛ لأنه يحسن أن يقال: لا يذوقون إلا الموتة الأولى، وكذلك قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء: 29] لأنه يحسن أن يقال: لا تأكلوا أموالكم بينكم إلا أن تكون تجارة، وقوله: {مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ} [النساء: 157] يصلح أن يقال: وما لهم إلا اتباع الظن، فهنا لما قال: {لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ} ، يحسن أن يقال: لا يعلمون إلا أماني؛ فإنهم يعلمونه تلاوة، يقرؤونها، ويسمعونها، ولا يحسن أن يقال: لا يعلمون إلا ما تتمناه قلوبهم، أولا يعلمون إلا الكذب؛ فإنهم قد كانوا يعلمون ما هو صدق -أيضًا- فليس كل ما علموه من علمائهم كان كذبًا، بخلاف الذي لا يعقل معنى الكتاب؛ فإنه لا يعلم إلا تلاوة.
وأيضًا فهذه الأماني الباطلة التي تمنوها بقلوبهم وقالوها بألسنتهم، كقوله تعالى: {تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ} قد اشتركوا فيها كلهم، فلا يخص بالذم الأميون منهم، وليس لكونهم أميين مدخل في الذم بهذه، ولا لنفي العلم بالكتاب مدخل في الذم بهذه، بل الذم بهذه مما يعلم أنها باطل أعظم من ذم من لا يعلم أنها باطل؛ ولهذا لما ذم الله بها عمم ولم يخص، فقال تعالى: {وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ} [البقرة: 111] .
قوله: {وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ} :