فسرَّ ولم ابتهج ... وساء ولم أشتكي
وقوله تعالى: (وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ) تنبيه على
خبث أنفسهم ، وأنها أمارة بالسوء ، وذاك أن المنافق شرير.
والشرير لم تتهذب نفسه وأحواله من الغضب والشهوة والحرص
وسائر الرذائل ، وكأن ما معه عدو يؤذيه ، ولهذا لا يمكنه أن يخلو
بنفسه ، لأنه لا يجد شاغلًا له ، وكأنه خُلِّيَ مع أُسود وأساود.
وقوله: (يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ) تنبيه على جهلهم وعدم معرفتهم
بحكمة الله ونعمته فِي قهر الكفار للمسلمين فِي بعض الأحوال.
وأنها نعمة. وظنهم غير الحق: ظنُّهم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يصدقهم ، ويأسهم من نصرة الله تعالى.
وقوله: (ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ) أي ظن
الكفار ، أن هؤلاء المنافقين بعدُ فِي حيّز الكفار ، وفي قِلَّةِ
معرفتهم الله بحكمة الله تعالى ، وأنهم لا يعرفون الخير والنعمة
إلا المال والجاه والغلبة الدنيوية ، فإذا فاتهم ذلك ساء ظنهم.
وقوله: (يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ) :
هل لنا طمع الغلبة ، تنبيها أنهم استشعروا اليأس الذي يستشعره القوم
الكافرون ، فأكذبهم الله تعالى ، فقال: (قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ)
أي الغلبة الحقيقة له ولأوليائه ، فإن حزب الله هم الغالبون.
وقيل: عنى بالأمر الاستئمار ، أي لو شُووِرنا لأشرنا بترك هذا
المورد ، فقال الله تعالى: (الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ) أي هو أعرف بالتدبير.
وقوله: (يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا)
معناه لولا أنا أكرهنا لما خرجنا ، وفصل بين الحكايتين
عنهم ، أعني (هَل لنا) وقوله: (يَقُوُلون) بجملتين:
إحداهما: جواب لهم ، وهي قوله: (قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ) .
والثانية: تنبيه على ما فِي ضمائرهم ، وهي قوله: (يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ) .