ولمّا فصل بينهما أُعيد فِي الحكاية عنهم لفظ (يَقُولُونَ) لئلا تشتبه
الحكاية عنهم بما هو إخبار منه تعالى ،
وقال بعض المعتزلة: عنى بقوله: (يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ)
أنه كقوله: (لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا) وهذا إن كان
كما قاله هذا القائل ، فقوله: (قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ) تصديق لهم.
وقوله: (قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ)
تكذيب لهم ، وأنه محالٌ - أن لا يُقتلوأ مع أن قتلهم بذلك المكان
جارٍ فِي قضائه وتقديره ، وقد حُمِلَ ذلك على وجهين: إما أنّ من
فدر له القتل لو لم يخرج لأتاه القتل ، وهو فِي مضجعه فِي داره ،
والثاني: أنه لو كنتم أيها المؤمنون قعدتم فِي بيوتكم ، ولم تخرجوا
للمحاربة لخرج من قُدِّر له القتل بسبب خفي إلى مضاجعهم في
الحرب أي مصارعهم فيُقتلون ، تنبيهًا أن قضاء الله وتقديره
وعلمه لا يتغير ، وأنه لا ينفع حذر من قدر ، وإلى هذا أشار
الشاعر بقوله:
إذا ما حمام المرء كان ببلدة ... دعته إليها حاجةٌ فيطيرُ
وقال الأصمّ معناه: لو كنتم أيها المنافقون فِي بيوتكم ، ولم
تخرجوا لبرز المسلمون الذين كتب عليهم أي أوجب أن يقاتلوا
محتسبين ، ويكون هذا ثناء من الله تعالى على من استُشهد.
إن قيل: ما حقيقة الابتلاء والفصل بينه وبين المحص ؟
قيل: الابتلاء فِي الأصل هو الاختبار ، الذي يفصل به بين الخير والشر
فهو اسم الفعل مبدأ ونهاية ، فمبدؤه الاختبار ، ونهايته الفصل بين
الخير والشر إذا استُعمل فِي الله تعالى ، فإنّه يُراد به النهاية دون
المبدأ ، الذي هو التوصل إلى الفصل.
وأما التمحيص فإزالة ما قد انفصل من الخير عن الشرّ.
وكان المقصود به ما ذكره الله تعالى فِي قوله: (لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ) .