ثم في آخر عهد الصحابة حدثت القدرية، ثم حدثت المرجئة ( [31] ) ، ويقول ابن تيمية في رسالته إلى جماعة الشيخ عدي بن مسافر ما نصه:"وهذا التفريق الذي حصل من الأمة علمائها ومشايخها وأمرائها وكبرائها هو الذي أوجب تسلط الأعداء عليها، وذلك لتركهم العمل بطاعة الله ورسوله، كما قال تعالى: (ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظاً مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون) [سورة المائدة: 14] ، فمتى ترك الناس بعض ما أمرهم الله به وقعت بينهم العداوة والبغضاء، وإذا تفرق القوم فسدوا وهلكوا، وإذا اجتمعوا صلحوا وملكوا، فإنّ الجماعة ورحمة، والفرقة عذاب، وجماع ذلك في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلاّ وأنتم مسلمون * واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا) إلى قوله تعالى: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون) [سورة آل عمران: 102 ــ 104] ، فمن الأمر بالمعروف الأمر بالائتلاف والاجتماع، والنهي عن الاختلاف من شريعة الله تعالى."
مقومات الوحدة الإسلامية
الوحدة الإسلامية تحققت في الماضي، ويمكن أن تحقق في العصر الحاضر إذا رجع النّاس إلى دينهم، ويمكن تلخيص هذه المقومات في الآتي:
أولاً: التمسك بكتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم؛ لأن روح العصر توجب على المسلمين أن يتجمعوا حول هذا الأصل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والله تعالى يناديهم من وراء الخلود في قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون) تقدمت هذه الآيات، إنه لا بد أن تجتمع بعد طول الافتراق، لأنّ الأمة الإسلامية تقوم فيها الروابط على وحدة الدين والعقيدة، ووحدة المبادئ الخلقية الفاضلة، والنظم الاجتماعية العادلة، والعبادات الجامعة.
ثانياً: التعارف الإنساني، وقوة التآخي، وقوة الشعور بأنّ المسلمين جسم واحد.