والضلال هنا: النسيان - كما قال أبوعبيدة - معنى"تضل": تنسى , والضلال عن الشهادة إنما هو نسيان جزء منها , وذكر جزء , ويبقى المرء حيران بين ذلك , ضالاً , ومن نسي الشهادة جملة فليس يقال:"ضلَّ" (115) .
وقد جعل الزمخشري هذا اللفظ من قبيل المجاز المرسل ؛ حيث قال"أن تضل ... أي: إرادة أن تضل , فإن قلت: كيف يكون ضلالهما مرادا لله تعالى"؟
قلت: لما كان الضلال سبباً للإذكار , والإذكار مسبباً عنه , وهم ينزلون كل وأحد من السبب , والمسبب منزلة الآخر ؛ لالتباسهما , واتصالهما كانت إرادة الضلال المسبب عنه الإذكار إرادة للإذكار , فكأنه قيل: إرادة أن تذكر إحداهما الأخرى إن ضلت , ونظيره: - أعددت الخشبة أن يميل الحائط فأدعمه - , وأعددت السلاح أن يجيء عدو فأدفعه" (116) ."
والسؤال الذي يعنُّ من خلال السورة المجازية هو:
ما وجه البلاغة فِي إيثار"أن تضل"بدلاً من"أن تنسى"إذا كانا بمعنى واحد ؟
الذي أراه أن فِي الضلال معنى زائداً وهو ترتب الهلاك على النسيان ؛ ولذلك"قيل: ضلت الناقة: إذا هلكت بضياعها , وفي القرآن الكريم (وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ) (السجدة:10) أي: هلكنا بتقطع أوصالنا ... كما أن من معانيها: الضياع , يقال: هو ضال فِي قومه ؛ أي: ضائع , ومنه قوله تعالى:" (وَوَجَدَكَ ضَالاً فَهَدَى) (الضحى:7) ؛ أي: ضائعاً فِي قومك , لا يعرفون منزلتك ...
وقيل: الضلال بمعنى القصد إلى الشيء ؛ (أن تضل) ؛ أي تقصد إلى الشهادة فتذكرها الأخرى عوناً لها , وهذا من المقلوب المستفيض فِي كلامهم ... (117)
وكل ذلك يصب فِي نهر واحد , وهو بيان الحكمة من وضع المرأتين موضع الرجل الواحد ؛ إذ أن الغالب على عقول النساء الانشغال بأمور المنزل , والأولاد , والقيام بأمر التربية ؛ فصلتها بالحياة العامة ضعيفة بالنسبة للرجل , لذلك كانت فِي حاجة إلى تذكير ....