نَحْنُ الكرَاسِي لا تعد هوازن ... أمثالنا في النَّائِبَاتِ ولا أَسُد
قال ابن الأنباري: الذي نذهب إليه ونختاره القول الأول، لموافقته الآثار، ومذاهب العرب، والذي يحكى عن ابن عباس: أَنَّه عِلْمُه، إنما يروى بإسناد مطعون، والبيتان يقال: إنهما من صَنْعَةِ النحويين، لا يُعْرفُ لهما قائل، فلا يحتج بمثلهما في تفسير كتاب الله عز وجل.
وقال الأزهري: من روى عن ابن عباس في الكرسي: أنه العلم، فقد أبطل. وقال أبو إسحاق: الله عز وجل أعلم بحقيقة الكرسي، إلا أن جملته أنه أمر عظيم من أمره.
وقوله تعالى: {وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا} يقال: آده يَؤُوده أَوْدًا: إذا أَثْقَلَه وأَجْهَدَه، وأُدْتُ العُودَ أودًا، وذلك إذا اعتَمدت عليه بالثِّقْلِ حتى أملته، قالت الخنساء:
وحَامِلُ الثِّقلِ والأعْبَاءِ قَدْ عَلِمُوا ... إذا يَؤُودُ رِجَالًا بعضُ ما حَمَلُوا
وقال آخر:
وقَامَتْ تُرَائِيكَ مُغْدوْدِنًا ... إذا ما تَنُوءُ بهِ آدَها
أي: أثقلها، يصف كَثْرةَ شَعْرِها، وإنها لا تُطِيقُ حَمْله.
وقوله تعالى: {وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} يقال: علا يَعْلُو عُلُوًّا فهو عالٍ وعليّ، مثل: عَالم وعَليم، وسامع وسميع، فالله تعالى عليٌّ بالاقتدار ونفوذِ السلطان، وقيل: عليٌّ على الأشباه والأمثال. يقال: علا على قِرنه، إذا اقتدر عليه وغَلبه، وليس ثَمَّ عُلُوٌ من جهة المكان، ويقال أيضًا: علا فلان عن هذا الأمر: إذا كان أرْفَعَ مَحَلًّا عن الوصف به، فمعنى العُلُوِّ في صفة الله تعالى منقولٌ إلى اقتداره، وقهره، واستحقاقه صفات المَدْح، على وجه لا يُسَاوى ولا يُوَازَى.
والعظيم: معناه: أنه عظيم الشأن، لا يُعْجِزه شَيء، ولا نهايةَ لمَقْدُوره ومَعْلُومه. انتهى انتهى {التفسير البسيط. 4/ 346 - 358} .