الأول: أن لا ينفقوا فِي مهمات الجهاد أموالهم ، فيستولي العدو عليهم ويهلكهم ، وكأنه قيل: إن كنت من رجال الدين فأنفق مالك فِي سبيل الله وفي طلب مرضاته ، وإن كنت من رجال الدنيا فأنفق مالك فِي دفع الهلاك والضرر عن نفسك الوجه الثاني: أنه تعالى لما أمره بالإنفاق نهاه عن أن ينفق كل ماله ، فإن إنفاق كل المال يفضي إلى التهلكة عند الحاجة الشديدة إلى المأكول والمشروب والملبوس فكان المراد منه ما ذكره فِي قوله: {والذين إِذَا أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً} [الشورى: 67] وفي قوله: {وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ البسط} [الإسراء: 29] وأما الذين قالوا: المراد منه غير النفقة فذكروا فيه وجوهاً أحدها: أن يخلوا بالجهاد فيتعرضوا للهلاك الذي هو عذاب النار فحثهم بذلك على التمسك بالجهاد وهو كقوله: {لّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيّنَةٍ} [الأنفال: 42] وثانيها: المراد من قوله: {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة} أي لا تقتحموا فِي الحرب بحيث لا ترجون النفع ، ولا يكون لكم فيه إلا قتل أنفسكم فإن ذلك لا يحل ، وإنما يجب أن يقتحم إذا طمع فِي النكاية وإن خاف القتل ، فأما إذا كان آيساً من النكاية وكان الأغلب أنه مقتول فليس له أن يقدم عليه ، وهذا الوجه منقول عن البراء بن عازب ، ونقل عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال فِي هذه الآية: هو الرجل يستقل بين الصفين ، ومن الناس من طعن فِي هذا التأويل وقال: هذا القتل غير محرم واحتج عليه بوجوه الأول: روي أن رجلاً من المهاجرين حمل على صف العدو فصاح به الناس فألقى بيده إلى التهلكة فقال أبو أيوب الأنصاري نحن أعلم بهذه الآية وإنما نزلت فينا: صحبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونصرناه وشهدنا معه المشاهد فلما قوي الإسلام وكثر أهله رجعنا إلى أهالينا وأموالنا