ويعلم الحق سبحانه وتعالى أن نقل أمة العرب مما اعتادته ليس أمراً سهلاً ، لذلك أخذهم برفق الهوادة. والذين يقولون: لماذا لم يحارب المسلمون أعداءهم من أول وهلة ولماذا لم يقتلوا صناديد الكفر فِي مكة ؟ نقول لهم: إن كثيراً من الذين كنتم ترون قتالهم فِي بداية الدعوة الإسلامية هم الذين نشروا راية الإسلام من بعد ذلك ، ومثال ذلك خالد بن الوليد ، الذي كان قائداً مغواراً فِي صفوف المشركين ، وقاتل المسلمين فِي أول حياته ، ثم هداه الله للإسلام وأصبح سيف الله المسلول ، ماذا لو قتل هذا القائد الفذ على أيدي المسلمين ؟ كان مثل هذا الفعل سيتسبب فِي حرمان المسلمين من موهبته ، تلك الموهبة التي أسهمت فِي معظم الفتوحات الإسلامية فِي الشام والعراق.
إذن شاءت حكمة الله أن يستبقي أمثال خالد وهم خصوم للإسلام فِي بدء الدعوة لأن الله قد أعد لهم دوراً يخدمون به الإسلام. والذين نالوا من الإسلام أولا هم الذين ستبقى عندهم الحرارة حتى يعملوا عملاً يغفر الله لهم به ما قد سبق. انظر إلى عكرمة بن أبي جهل كان شوكة فِي ظهر المسلمين فِي بداية الدعوة ، ثم أسلم وأبلى بلاء حسناً ، ولما أصيب فِي موقعة اليرموك وأوشكت روحه أن تصعد إلى خالقها نظر إلى قائده خالد بن الوليد وقال: أهذه ميتة ترضى عني رسول الله ؟. كأنه كان يعلم أن رسول الله كان قد غضب عليه قبل أن يسلم.