وكان الإيمان باليوم الآخر تاليا للإيمان بالله تعالى، لأنه تصديق لما أمر الله به، ولأنه سلوان المحسن العابد وإنذار للمشرك المكذب، والمعاند المستكبر الجاحد، وقد تبين له الحق.
ثم يلي الإيمان باليوم الآخر، الإيمان بالملائكة الأخيار الأطهار الذين لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، وهو إيمان بالغيب الذي لَا يرى ولا يحس، وأول شعار المؤمن الإيمان، وهو الفيصل بين المسلم والزنديق، فالزنديق أو الملحد في دين الله تعالى لَا يؤمن إلا بالمحسوس، ولا يصدق ما لَا يرى ويحس، والمؤمن يعلم أن وراء المحسوس سرا خفيا، وقد أمرنا الله تعالى بالإيمان فحق علينا أن نؤمن بوجودهم، وهم مذكورون في كتابه الكريم، وفي الكتب التي صدقها، فالكفر بهم كفر بالله وبالقرآن، وذكر الله بعد ذلك الإيمان بالكتاب، وهو القرآن الكريم، والإيمان تصديق بكل ما جاء به ويدخل في ذلك الإيمان بالكتب السابقة؛ لأنه سجلها في قصصه، فهو سجل النبوة كله، فيه ذكر كتبها، وفيه بيان معجزات النبيين، فلولا قصصه الحكم الصادق ما عرف كتاب من كتب النبيين، ولا معجزة من معجزاتهم.
وذكر سبحانه وجوب الإيمان بالنبيين السابقين؛ لأن الإيمان الذي جاء به القرآن هو الإيمان الجامع بالنبوات الإلهية كلها، كما قال تعالى: (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ(136) .
هذا هو الإيمان الذي أمر به الله تعالى، وكانت حال المتصف به والقائم بما يأتي من تكليف، وأعمال، هي البر المطلق من الإنسان في كل دين.