قِيلَ لَهُ: وَخَالَفَهُمْ جَمَاعَةٌ غَيْرَهُمْ فَقَالُوا: هِيَ مُحْكَمَةٌ غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ: وَإِذَا كَانَ فِي نَسْخِ ذَلِكَ تَنَازُعٌ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ لَمْ يَكُنْ لَنَا الْقَضَاءُ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ مَنْسُوخٌ إِلَّا بِحُجَّةٍ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهَا، إِذْ كَانَ غَيْرَ مُسْتَحِيلٍ اجْتِمَاعُ حُكْمِ هَذِهِ الْآيَةِ وَحُكْمِ آيَةِ الْمَوَارِيثِ فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ عَلَى صِحَّةٍ بِغَيْرِ مُدَافَعَةِ حُكْمِ إِحْدَاهُمَا حُكْمَ الْأُخْرَى وَكَانَ النَّاسِخُ وَالْمَنْسُوخُ هُمَا الْمَعْنَيَانِ اللَّذَانِ لَا يَجُوزُ اجْتِمَاعُ حُكْمُهُمَا عَلَى صِحَّةٍ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ لِنَفْيِ أَحَدِهِمَا صَاحِبَهُ. وَبِمَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي حُكْمِ هَذِهِ الْآيَةِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَمْ يَنْسَخِ اللَّهُ شَيْئًا مِنْ حُكْمِهَا، وَإِنَّمَا هِيَ آيَةٌ ظَاهِرُهَا ظَاهِرُ عُمُومٍ فِي كُلِّ وَالِدٍ وَوَالِدَةٍ وَالْقَرِيبِ، وَالْمُرَادُ بِهَا فِي الْحُكْمِ الْبَعْضُ مِنْهُمْ دُونَ الْجَمِيعِ، وَهُوَ مَنْ لَا يَرِثُ مِنْهُمُ الْمَيِّتَ دُونَ مَنْ يَرِثُ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ هِيَ آيَةٌ قَدْ كَانَ الْحُكْمُ بِهَا وَاجِبًا وَعُمِلَ بِهِ بُرْهَةً ثُمَّ نَسَخَ اللَّهُ مِنْهَا بِآيَةِ الْمَوَارِيثِ الْوَصِيَّةَ لِوَالِدَيِ الْمُوصِي وَأَقْرِبَائِهِ الَّذِينَ يَرِثُونَهُ، وَأَقَرَّ فَرْضَ الْوَصِيَّةِ لِمَنْ كَانَ مِنْهُمْ لَا يَرِثُهُ
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ نَسَخَ اللَّهُ ذَلِكَ كُلَّهُ، وَفَرَضَ الْفَرَائِضَ وَالْمَوَارِيثَ فَلَا وَصِيَّةَ تَجِبُ لِأَحَدٍ عَلَى أَحَدٍ قَرِيبٍ وَلَا بَعِيدٍ.
{إِنْ تَرَكَ خَيْرًا}
يَعْنِي مَالًا.
عَنِ الضَّحَّاكِ، فِي قَوْلِهِ" {إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ} قَالَ: الْمَالُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَقُولُ: قَالَ شُعَيْبٌ لِقَوْمِهِ: {إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ} يَعْنِي الْغَنِى"
ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي مَبْلَغِ الْمَالِ الَّذِي إِذَا تَرَكَهُ الرَّجُلُ كَانَ مِمَّنْ لَزِمَهُ حُكْمُ هَذِهِ الْآيَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: ذَلِكَ أَلْفُ دِرْهَمٍ
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: ذَلِكَ مَا بَيْنَ الْخَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ إِلَى الْأَلْفِ