وَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} أَيْ تَتَّقُونَ الْقِصَاصَ فَتَنْتَهُونَ عَنِ الْقَتْلِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (180) }
يَعْنِي بِقَوْلِهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ {كُتِبَ عَلَيْكُمْ} فُرِضَ عَلَيْكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ الْوَصِيَّةُ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ {إِنْ تَرَكَ خَيْرًا} وَالْخَيْرُ: الْمَالُ {لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} الَّذِينَ لَا يَرِثُونَهُ، {بِالْمَعْرُوفِ} وَهُوَ مَا أَذِنَ اللَّهُ فِيهِ وَأَجَازَهُ فِي الْوَصِيَّةِ مِمَّا لَمْ يُجَاوِزِ الثُّلُثَ، وَلَمْ يَتَعَمَّدِ الْمُوصِي ظُلْمَ وَرَثَتِهِ {حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ}
يَعْنِي بِذَلِكَ: فُرِضَ عَلَيْكُمْ هَذَا وَأَوْجَبَهُ، وَجَعَلَهُ حَقًّا وَاجِبًا عَلَى مَنِ اتَّقَى اللَّهَ فَأَطَاعَهُ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: أَوْ فُرِضَ عَلَى الرَّجُلِ ذِي الْمَالِ أَنْ يُوصِيَ لِوَالِدَيْهِ وَأَقْرَبِيهِ الَّذِينَ لَا يَرِثُونَهُ؟
قِيلَ: نَعَمْ.
فَإِنْ قَالَ: فَإِنْ هُوَ فَرَّطَ فِي ذَلِكَ فَلَمْ يُوصِ لَهُمْ أَيَكُونُ مُضَيَّعًا فَرْضًا يُحْرَجُ بِتَضْيِيعِهِ؟
قِيلَ: نَعَمْ. فَإِنْ قَالَ: وَمَا الدَّلَالَةُ عَلَى ذَلِكَ؟
قِيلَ: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} فَأَعْلَمَ أَنَّهُ قَدْ كَتَبَهُ عَلَيْنَا وَفَرَضَهُ، كَمَا قَالَ: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْجَمِيعِ أَنَّ تَارِكَ الصِّيَامِ وَهُوَ عَلَيْهِ قَادِرٌ مُضَيِّعٍ بِتَرْكِهِ فَرْضًا لِلَّهِ عَلَيْهِ، فَكَذَلِكَ هُوَ بِتَرْكِ الْوَصِيَّةِ لِوَالِدَيْهِ وَأَقْرَبِيهِ وَلَهُ مَا يُوصِي لَهُمْ فِيهِ، مُضَيِّعٌ فَرْضَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. فَإِنْ قَالَ: فَإِنَّكَ قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالُوا: {الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} مَنْسُوخَةٌ بِآيَةِ الْمِيرَاثِ؟