{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ} في قبل عدتهن كما تقدم ، وهذا حق ؛ فإن الآية إذا دلت على منع إرداف الطلاق في طهر أو أطهار ، قبل رجعة أو عقد - كما تقدم - لأنه يكون مطلقاً في غير قبل العدة - فلأن تدل على تحريم الجمع ، أولى وأحرى .
قالوا: والله سبحانه شرع الطلاق على أيسر الوجوه وأرفقها بالزوج والزوجة ، لئلا يتسارع العبد في وقوعه ومفارقة حبيبه ، وقد وقَّت للعدة أجلاً لاستدراك ألفاظه بالرجعة ، فلم يبح له أن يطلق المرأة في حال حيضها ، لأنه وقت نفرته عنها ، وعدم قدرته على استمتاعه بها ، ولا عقيب جماعها ، لأنه قد قضى غرضه منها ، وربما فترت رغبته فيها ، ويزهد في إمساكها لقضاء وطره ، فإذا طلقها في هاتين الحالتين ربما يندم بعد هذا ، مع ما في الطلاق من تطويل العدة ، وعقيب الجماع من بعلها ، لأنه ربما قد اشتمل رحمها على ولد منه ، فلا يريد فراقها . فأما إذا حاضت ثم طهرت ، فنفسه تتوق إليها ، لطول عهده بجماعه ، فلا يقدم على طلاقها في هذه الحالة إلا لحاجة إليه ؛ فلم يبح له الشارع أن يطلقها إلا في هذه الحال ، أو في حال استبانة حملها ، لأن إقدامه أيضاً على طلاقها في هذه الحال دليل على حاجته إلى الطلاق وقد أكد النبي صلى الله عليه وسلم هذا بمنعه لعبد الله بن عمر أن يطلق في الطهر الذي يلي الحيضة التي طلق فيه ، بل أمره أن يراجعها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ، إن بدا له أن يطلقها فيطلقها . وفي ذلك عدة حكم:
منها: أن الطهر المتصل بالحيضة ، هو وهي حكم القرء الواحد ، فإذا طلقها في ذلك الطهر ، فكأنه طلقها في الحيضة ، لاتصاله بها ، وكونه معها ، كالشيء الواحد .