قلت: الآيات كلها متفقة المعنى؛ لأنه تعالى خلقه من تراب، ثم جعله طينًا ثم حمأً مسنونًا، ثم صلصالًا. فهذه مراحل وأطوار في خلق الإنسان، وفي كل سورة إشارة إلى بعض هذه الأطوار. فإنه تعالى أخذه من تراب الأرض، فعجنه بالماء، فصار طينًا لازبًا؛ أي: متلاصقًا يلصق باليد، ثم تركه حتى صار حمأً مسنونًا أي: طينًا أسود منتنًا، ثم يبس، فصار كالفخار، له صوت وصلصلة.
إيضاح هذا: أن الطين المطبوخ مركب من الطين والحرارة التي أنضجته وسوته لتخفظ كيانه، وهكذا الإنسان، له شهوة الطعام والشراب والتزاوج, لتبقى بنيته، وتدوم حياته بالمادة الأرضية التي اجتذبها النبات من الأرض، وله قوة غضبية تورثه الشجاعة والقوة؛ ليحافظ على بقائه وحياته، ويمنع عن نفسه عاديات الكواسر، ومهاجمات الجيوش، والأعداء المحيطة به من كل جانب. وهذه القوة في الإنسان تقابل طبخ الطعام ليصير فخارًا، فتتماسك أجزاوه، ولولاها لما استطاع المحافظة علي هيكله المنصوب، وجسمه المحبوب من الكواسر، وأهل القسوة من بني الإنسان. ولأصبح قتيلًا في الفلوات تأكله الطير، أو تهوي بأجزائه الريح في مكان سحيق. كما أن الطين إذا لم يطبخ يتفتت، وتذروه الرياح، أو يذوب في أجزاء الأرض.
{رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (17) }
قال في"كشف الأسرار":
أحد المشرقين هو الذي تطلع منه الثمس في أطول يوم من السنة، والثاني الذي تطلع منه في أقصر يوم, وبينهما مائة وثمانون مشرقًا، وكذا الكلام في المغربين. وقيل: أحد المشرقين للشمس، والثاني للقمر.
فإن قلت: لِمَ كرر ذكر الرب هنا دون سورتي المعارج والمزمل؟
قلت: كرره هنا تأكيدًا. وخص ما هنا بالتأكيد لأنه موضع الامتنان، وتعديد النعم، ولأن الخطاب فيه من جنسين، هما الإنس والجن، بخلاف ذينك.
والمعنى: أي هو سبحانه رب مشرقي الصيف والشتاء، ومغربيهما اللذين يترتب عليهما تقلب الفصول الأربعة، وتقلب الهواء، وتنوعه, وما يلي ذلك من الأمطار، والشجر، والنبات، والأنهار الجاريات.
{يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (44) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (45) }
فإن قلت: هذه الأمور المذكورة في هذه الآيات من قوله: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) } إلى هنا ليست نعمًا، فكيف عقبها بقوله: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (42) } ؟