قلت: ليست النعمة في نفس وقوع هذه الأشياء، بل في إخباره تعالى إياهم بوقوعها، ليأخذوا حذرهم منها بالطاعة، ولا خفاء أن تحذير الإنسان مما يضره من أجل النعم عليه؛ لأن النعمة إما: إيصال نفع أو دفع ضرر، والثاني أبلغ من الأول، لأن الإنسان يصبر على عدم النفع ولا يصبر على وجود الضرر، كما يصبر على أكل العسل، ولا يصبر تجريع سم أو رصاص مذاب، أو جلد مائة سوط، والله أعلم.
ومن كان قابلها بالتوحيد والعبادة، أدخلته الجنة، وهذا حاصل قوله: {ولمن خاف مقام ربه جنتان} [الرحمن] إلى آخر السورة، وكل فرد من أفراد الجملة يتضمن نعمتين: وقوعه إذا وقع، والترغيب فيه قبل وقوعه.
فإن قلت: الخطاب والتذكير للثقلين وهو عام فيهم: مؤمنًا وكافرًا، والكافر في الآخرة يصير إلى العذاب الدائم، ويتبين أن ما كان فيه في الدنيا مما يخال نعمة، كان استدراجًا، وسببًا من أسباب النقمة، وحينئذ لا نعمة عليه في دنيا ولا أخرى؛ إذ النعمة هي: النفع السالم العاقبة من شوائب الأكدار.
قلت: الجواب من وجهين:
أحدهما: لا نسلم أن من شرط النعمة سلامة العاقبة، لأن اشتقاقها يؤول إلى النعومة التي هي ضد الخشونة، وهذا المعنى موجود بدون الشرط المذكور.
والثاني: لو لم يكن للعامة إلا إظهار الآيات والمعجزات على أيدي الأنبياء وتحذيرهم من شرور الآخرة، وترغيبهم في سرورها، لكان ذلك كافيًا في استحقاقه العبادة منهم، وتوبيخهم على تركها، فإن ذلك نصيحة، والناصح منعم يجب شكره، وإن لم يقبل المنصوح له، والله أعلم.
وإنما أطلت الكلام في هذه السورة، لأني رأيت كثيرًا من الناس يستشكل كثيرًا منها. انتهى انتهى {الإكسير في علم التفسير} ...