أي: امض - أيها الرسول الكريم - في طريقك، وأعرض عن هؤلاء الجاحدين المعاندين، الذين أصروا على عدم الاستجابة لك، بعد أن سلكت معهم كل وسيلة تهديهم إلى الحق ... إن ربك - أيها الرسول الكريم - هو أعلم بمن أصر من الناس على الضلال، وهو - سبحانه - أعلم بمن شأنه الاهتداء، والاستجابة للحق ..
والمراد بالعلم هنا لازمه، أي: ما يترتب عليه من ثواب وعقاب، ثواب للمؤمنين، وعقاب للكافرين.
وكرر - سبحانه - قوله هُوَ أَعْلَمُ لزيادة التقرير، والمراد بمن ضل: من أصر على الضلال، وبمن اهتدى: من عنده الاستعداد لقبول الحق والهداية.
وقدم - سبحانه - من ضل على من اهتدى هنا، لأن الحديث السابق واللاحق معظمه عن المشركين، الذين عبدوا من دون الله - تعالى - أصناما لا تضر ولا تنفع ..
وضمير الفصل في قوله - سبحانه - هُوَ أَعْلَمُ لتأكيد هذا العلم، وقصره عليه - سبحانه - قصرا حقيقيا، إذ هو - تعالى - الذي يعلم دخائل النفوس، وغيره لا يعلم.
ثم بين - سبحانه - ما يدل على شمول ملكه لكل شيء فقال: وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ... أي: ولله - تعالى - وحده جميع ما في السماوات وما في الأرض خلقا، وملكا، وتصرفا ...
واللام في قوله: لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا، وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى متعلقة بمحذوف يدل عليه الكلام السابق.
أي: فعل ما فعل - سبحانه - من خلقه للسموات والأرض وما فيهما، ليجزي يوم
القيامة، الذين أساءوا في أعمالهم بما يستحقونه من عقاب، وليجزي الذين أحسنوا في أعمالهم بما يستحقونه من ثواب.
وقوله: بِالْحُسْنَى صفة لموصوف محذوف، أي: بالمثوبة الحسنى التي هي الجنة.
وقوله: الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ .. صفة لقوله: الَّذِينَ أَحْسَنُوا أو بدل منه.
والمراد بكبائر الإثم: الآثام الكبيرة، والجرائم الشديدة، التي يعظم العقاب عليها. كقتل النفس بغير حق، وأكل أموال الناس بالباطل ..
والفواحش: جمع فاحشة، وهي ما قبح من الأقوال والأفعال كالزنا، وشرب الخمر ...