والثالث: أن المراد من قوله: «لأغوينهم» أي لأُديمنّهم على الغِوَاية كما أنّ الضالّ إذا قال له شخص: أنت على الجَادَّة فلا تترُكها، يقال: إنه يضله. كذا هاهنا، فقوله: «ما أطغيته» أي ما كان ابتداء الإطغاء مِنِّي.
{وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (31) }
«فَإِنْ قِيلَ» : ما وجه التقريب مع أن الجنة مكانٌ، والأمكنة يقرب منها وهي لا تقرب؟
فالجواب من وجوه:
الأول: أن الجنة لا تزال ولا يؤمر المؤمن في ذلك اليوم بالانْتِقَال إليها مع بعدها لكن الله تعالى يطوي المسافة التي بين المؤمن والجنة فهو التقريب.
«فَإِنْ قِيلَ» : فعلى هذا ليس إزْلاف الجنة من المؤمن بأولى من إزْلاَفِ المؤمنِ من الجنة فما فائدة قوله: «أزلفت الجنة» ؟
فالجواب: أن ذلك إكرام للمؤمن وبيان لشرفه، وأنه مِمَّنْ يمشى إليه.
الثاني: قربت من الحصول في الدخول لا بمعنى القرب المكاني.
الثالث: أن الله تعالى قادر على نقل الجنة من السماء إلى الأرض فيقربها للمؤمن ويحتمل أنها أُزْلِفَتْ بمعنى جَمَعَت محاسنها، لأنها مخلوقة، وإما بمعنى قرب الحصول لها لأنها تنال بكلمة وحسنة وخص المتقين بذلك لأنهم أحقّ بها.
قوله: {ذَلِكَ يَوْمُ الخلود}
قال أبو البقاء: أي ومن ذلكَ يَوْمُ الخلود كأنّه جعل «ذَلِكَ» إشارة إلى ما تقدم من إنعام الله عليهم بما ذكره، وقيل «ذَلِك» مشارٌ به لما بعده من الزَّمان، كقولك: هَذَا زَيْدٌ. قال الزمخشري: في قوله: {ذَلِكَ يَوْمُ الخلود} إضمار تقديره: ذَلِكَ يَوْم تَقْرِير الخُلُود. ويحتمل أن يقال: اليوم يُذْكَرُ ويراد به الزمان المطلق سواء كان يوماً أو ليلاً، تقول: يَوْمَ يُولَدُ لِفُلاَن يكون السرورُ العظيمُ، ولو ولد له بالليل لكان السرور حاصلاً فالمراد به الزّمان فكأنه تعالى قال: ذَلك زَمَانُ الإقامة الدَّائِمَةِ.
«فَإِنْ قِيلَ» : المؤمن قد علم أنه إذا دخل الجنة خلد فيها فما فائدة القول؟
فالجواب من وجهين: