فالجَوابُ: أنها في هذا الموضع لإظهار التعدية؛ لأن التكذيب (هو النسبة إلى الكذب) لكن النسبة توجد تارة في القائلِ وأخرى في القول، تقول: كَذَّبَنِي فلانٌ وكنت صادقاً ويقول: كَذَّبَ فلانٌ قَوْلِي، ويقال: كَذَّبَه أي جعله كاذباً وتقول: قلتُ لفلان: زيدٌ يجيء غداً، فتأخر عمداً حتى كَذَّبَنِي أو كذب قولي. والتكذيب في القائل يستعمل بالباء وبدونها قال تعالى: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ المرسلين} [الشعراء: 141] وقال {كَذَّبَتْ ثَمُودُ بالنذر} [القمر: 23] وفي القول كذلك غيرَ أن الاستعمال في القائل بدون الباء أكثر قال تعالى: {فَكَذَّبُوهُ} [الأعراف: 64] وقال: {وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ} [فاطر: 4] . وفي القول الاستعمال بالباء أكثر قال تعالى: {كَذَّبُواْ بِئَايَاتِنَا} [القمر: 42] وقال: {كَذَّبُواْ بالحق} [ق: 5] . وقال: {وَكَذَّبَ بالصدق} [الزمر: 32] .
{أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (6) }
قوله: «أَفَلَمْ» الهمزة للاستفهام.
واعْلَم أن همزة الاستفهام تارةً تدخل على الكلام بغير واو وتارة تدخل ومعها واو والفرق بينهما أن قولك: أَزَيدٌ فِي الدّارِ؟
بعد: وَقَدْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ، يذكره للإنكار.
فإن قلت: أَوَ زَيْدٌ في الدار بعد: وَقَدْ طَلَعَتِ الشَّمس، يشير بالواو إلى أن قبح فعله صار بمنزلة فعلين قبيحين، لأن الواو تُنْبِئُ عن سبق أمر مغايرٍ لما بعدها وإن لم يكن هناك سابقٌ لكن تأتي بالواو زيادة في الإنكار.
«فَإِنْ قِيلَ» : كيف أتى هنا بالفاء فقال: «أَفَلَمْ» وفي موضع آخر بالواو؟
فالجَوابُ: هنا سبق منهم إنكار الرجع فقال بحرف التعقيب لمخالفة ما قيلَ.
«فَإِنْ قِيلَ» : ففي «يس» سبق ذلك بقوله: {قَالَ مَن يُحيِي العظام} [يس: 78] ؟