وَفِي الرَّقِيبِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا أَنَّهُ الْمُتَّبِعُ لِلْأُمُورِ. الثَّانِي أَنَّهُ الْحَافِظُ، قَالَهُ السُّدِّيُّ. الثَّالِثُ أَنَّهُ الشَّاهِدُ، قَالَهُ الضَّحَّاكُ.
وَفِي الْعَتِيدِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ الْحَاضِرُ الَّذِي لَا يَغِيبُ.
الثَّانِي أَنَّهُ الْحَافِظُ الْمُعَدُّ إِمَّا لِلْحِفْظِ وَإِمَّا لِلشَّهَادَةِ.
قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْعَتِيدُ الشَّيْءُ الْحَاضِرُ الْمُهَيَّأُ.
قَالَ أَبُو الْجَوْزَاءِ ومجاهد: يكتب على الإنسان كل شيء حَتَّى الْأَنِينُ فِي مَرَضِهِ.
وَقَالَ عِكْرِمَةُ: لَا يكتب إلا ما يؤجر به أَوْ يُؤْزَرُ عَلَيْهِ.
وَقِيلَ: يُكْتَبُ عَلَيْهِ كُلُّ مَا يَتَكَلَّمُ بِهِ، فَإِذَا كَانَ آخِرُ النَّهَارِ مُحِيَ عَنْهُ مَا كَانَ مُبَاحًا، نَحْوُ انْطَلِقْ اقْعُدْ كُلْ مِمَّا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ أَجْرٌ وَلَا وِزْرٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (مَا مِنْ حَافِظَيْنِ يَرْفَعَانِ إِلَى اللَّهِ مَا حَفِظَا فَيَرَى اللَّهُ فِي أَوَّلِ الصَّحِيفَةِ خَيْرًا وَفِي آخِرِهَا خَيْرًا إِلَّا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِمَلَائِكَتِهِ اشْهَدُوا أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي مَا بَيْنَ طَرَفَيِ الصَّحِيفَةِ) .
وَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: (إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً مَعَهُمْ صُحُفٌ بِيضٌ فَأَمْلُوا فِي أَوَّلِهَا وَفِي آخِرِهَا خَيْرًا يُغْفَرُ لَكُمْ مَا بَيْنَ ذَلِكَ) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ(19)
أَيْ غَمْرَتُهُ وَشِدَّتُهُ، فَالْإِنْسَانُ ما دام حيا تكتب عليه أقواله وأفعاله لِيُحَاسَبَ عَلَيْهَا، ثُمَّ يَجِيئُهُ الْمَوْتُ وَهُوَ مَا يَرَاهُ عِنْدَ الْمُعَايَنَةِ مِنْ ظُهُورِ الْحَقِّ فِيمَا كَانَ اللَّهُ تَعَالَى وَعَدَهُ وَأَوْعَدَهُ.