حكى القاضي عياض في المدارك، عن أبي محمد عبد الله بن إسحاق المعروف بابن التبَّان: أنه أخرج رأسه من الطاق ليلة عاشوراء فرأى خلقا كثيرا مجتمعين للتبرك فبكى، فسئل عن موجب بكائه، فقال: والله ما أخشى عليهم من الذنوب لأن مولاهم كريم، وإنما أخشى أن يشكوا في كفر بني عبيد فيدخلوا النار لأن الشك في الكفر كفر، انتهى.
قال شيخنا: وهذا كما قال: ولقد كنت جالسا عند الشيخ الفقيه أبي عبد الله محمد ابن سلامة فوقع جزء رسم له المهلة فجاءه رسول صاحب الجزء بدينار ناقص فرده عليه، وقال: ما هذا التشكك، فقال الرسول: يا سيدي، هذا حق واجب، فأنكر عليه غاية الإنكار وألزمه الكفر باعتقاد وجوب الحرام، أو شكه فيه واستحلاله له، وما زال يؤنبه ويكرر حتى تاب من ذلك الاعتقاد ورجع إلى الحق، انتهى. ونص كلام ابن العربي في المتوسط: ولما كان الإيمان أمرا باطنا لَا يعلمه إلا الباطن جعل الشارع عليه علامات، وقضى الرب سبحانه وتعالى بأن لَا يكون مؤمنا إلا باستخدام اللسان كاستخدام القلب، فمن العلامة الإقرار بالشهادتين، فمن اعتبرها بقلبه وعبر عنها بلسانه فهو مؤمن عند الله وعندنا، ومن أقر بها بلسانه دون قلبه فهو المنافق.
وذهب الكرامية إلى أنه مؤمن حقا، وهو أفسد من أن يتكلم عليه، ومن اعتقد ذلك بقلبه ولم يصدق به لسانه فمؤمن عندنا إذ حال بينه وبين النطق جهل أو عذر وهي مسألة اجتهادية هذا أظهر الأقوال فيها، لأن الأمة أجمعت على أن ذا العذر الذي لا يستطيع النطق مؤمن باعتقاده التسليم، فلو اعتقد الحق وعاند بالامتناع من النطق هو كافر؛ إذ الإجماع منعقد على اشتراط النطق بالشهادتين في العصمة الدنيوية والأخروية جميعا، ومن الطاعات تجرد الاعتقاد عن سجود الصنم أو نحوه]، أو الاستخفاف بحق الرسول أو بشيء من الشريعة.