ونعرف كذلك من حقيقة جعل الأرض مهدا وتذليل السبل فيها للحياة، أن الخالق العزيز العليم قدّر فيها موافقات شتى تسمح مجتمعة بوجود هذا الإنسان وتيسير الحياة له، ولو اختلت إحدى هذه الموافقات لتعذّرت هذه الحياة أو تعسّرت، فمنها هذه الموافقات التي ذكرنا، ومنها أنّه جعل كتلة الماء الضخمة التي تكونت على سطح الأرض من المحيطات والبحار كافية لامتصاص الغازات السامّة التي تنشأ من التفاعلات الكثيرة التي تتمّ على سطحها، والاحتفاظ بجوها دائما في حالة تسمح للأحياء بالحياة، ومنها أنّه جعل من النبات أداة للموازنة بين الأكسجين الذي يستنشقه الأحياء ليعيشوا به، والأكسجين الذي يزفره النبات في أثناء عمليات التمثيل التي يقوم بها؛ ولولا هذه الموازنة لاختنق الأحياء بعد فترة من الزمان) أهـ.
تفسير المجموعة الثانية من المقطع الأول
بما مرّ أقام الله عزّ وجل الحجّة على وجوب شكره. وبعد أن أقام الحجة على ذلك تأتي الآن فقرتان تحدثاننا عما قابلوا به هذا من الكفر وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً قال النسفي: أي قالوا: الملائكة بنات الله فجعلوهم جزءا له وبعضا منه كما يكون الولد جزءا لوالده. أقول: وهذه الآية تردّ كل مذهب يقول بجزئية المخلوقات للخالق. كأن يقول قائل: إن هذا الكون هو جزء اللذات الإلهية، أو إن الذات الإلهية تكثفت فكان هذا الكون؛ لأن هذا كله يفيد الجزئية، وهي كفر بنص هذه الآية. وهو موضوع سنتعرض له في الفوائد. إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ قال النسفي: أي لجحود للنعمة ظاهر جحوده لأن نسبة الولد إليه كفر، والكفر أصل الكفران كله.
أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَناتٍ وَأَصْفاكُمْ بِالْبَنِينَ قال النسفي: أي بل اتخذ، والهمزة للإنكار تجهيلا لهم وتعجيبا من شأنهم، حيث ادعوا أنه اختار لنفسه المنزلة الأدنى ولهم الأعلى. قال ابن كثير: (وهذا إنكار عليهم غاية الإنكار)