ولو شاء سبحانه لسخَّر لهذه النار سحابة تمطر عليها حتى تنطفئ، ولو شاء ما تمكَّنوا من إبراهيم ولا أمسكوا به، لكن لتتم المعجزة مكَّنهم الله من إبراهيم وألقوه بالفعل في النار وهي تشتعل، ومع ذلك لم تحرقه، فهذه هي طلاقة القدرة.
كذلك رأينا طلاقة القدرة في قصة عصا سيدنا موسى لما ضرب بها البحرَ فانفلقَ، وتجمَّد فيه الماءُ حتى صار كل فِرْق كالطوْد العظيم، وهي نفس العصا ضرب بها الحجر فانفجرتْ منه اثنتا عشرة عيناً، فالحق يعطينا لقطاتٍ لطلاقة القدرة وخَرْق العادة والقوانين لنقيسَ عليها.
بعض المفسِّرين يستبعدون هذه المسألة. أي: اللقاء بين الحي والميت - ويُؤوِّلون المعنى بما يوافق ميولهم، فيقولون: المراد واسأل أتباع الرسل قبلك لأنهم أخذوا الدين عنهم. وأصحاب هذا الرأي يريدون أنْ يُفلتوا من مسألة التقاء الحيِّ بالميت، ومن إثبات هذه المعجزة الخارقة للعادة، لكن لا غرابةَ في ذلك ولا عجبَ لأن الفاعل مَنْ؟ الله.
أو: أن المراد بالسؤال في {وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ} [الزخرف: 45] ليس السؤال في ذاته ولا الجواب في ذاته، إنما المراد العِظَة والاعتبار على حَدِّ قول الخطيب مثلاً في خطبة الجمعة: سَل الأرض مَنْ أجرى فيها الأنهار، ومَنْ أنبت فيها الأشجار، سَل الروض مُزداناً، سَل الماء جارياً .. إلخ. إذن: ليس المراد أنْ نسأل الأرض، إنما نسأل أنفسنا ونتفكر ونتأمل.
كذلك في قوله سبحانه: {وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ} [الزخرف: 45] .
لكن اسألَ رسولُ الله مَنْ قبله من الرسل عن هذه المسألة {أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ} [الزخرف: 45] ؟ الواقع أنه لم يسأل، لماذا؟ لأن عنده من اليقين ما يجعله في غِنًى عن هذا السؤال، فرسولُ الله ليس في حاجة لمَنْ يؤكد له أنه ليس مع الله آلهةٌ تُعبد.
لذلك ورد عن الإمام علي كرَّم الله وجهه أنه قال: لو كُشِفَ عني الحجاب ما ازددتُ يقيناً. يعني: أنا مؤمن بالغيبيات إيماناً راسخاً مستقراً، وكأني أطلع عليه وأراه، ولو كُشف لي ما زاد في يقيني شيء، لأن إخبار الله لرسوله بالشيء أصدقُ من رؤيتنا له.
اقرأ:
{أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ} [الفيل: 1] ومعلوم أن الرسول وُلِد عام الفيل، يعني لم يَرَه، لكن أخبره الله
{أَلَمْ تَرَ}