قوله تعالى {وَإِنَّهُ} [الزخرف: 44] أي: القرآن الكريم الذي أُرسلْتَ به يا محمد، هذا الكتاب منهج حياة وهو معجزة باقية خالدة إلى قيام الساعة، وهذا القرآن {لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ} [الزخرف: 44] يعني: شرف وعِزَّة وفَخْر لك ولقومك - أي العرب - لأنه نزل بالعربية، وكم عَزَّ أقوام بعزِّ لغات.
فشرفٌ للعربية، وشرفٌ لكلِّ عربي أنْ ينزل القرآن بها، والإنسان في طبْعه يحب الفخر، ويحب الشهرة وذيوع الصيت، ولا يخفى على أحد الآن أن القرآن هو الذي أعطى العربية مكانتها بين لغات العالم.
ولولا القرآن لاندثرتْ العربية كما اندثر غيرها من اللغات، ونجد الآن كثيرين من أمم أخرى يُقبلون على تعلُّم العربية وإجادتها ليتمكَّنوا من حفظ القرآن وتفسيره وفهْم معانيه.
{وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ}
هنا وقفة تأمل لنفهم الآية {وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ} [الزخرف: 45] كيف يسألهم رسول الله وهم أموات، لماذا يأمره ربه عزَّ وجل هذا الأمر؟ وإذا أمر الحق سبحانه رسوله أمراً وجب عليه أن يطيع.
وقد هيَّأ الحق سبحانه هذه الفرصة لنبيه صلى الله عليه وسلم في رحلة الإسراء والمعراج حيث التقى فعلاً بإخوانه الأنبياء السابقين، واجتمع بهم وصلى بهم إماماً في بيت المقدس وهم أموات بقانون الموت وهو حَيٌّ بقانون الأحياء.
وثبت أنه خاطب بعضهم، وتحدث معه كما تحدث مع سيدنا موسى عليه السلام، وأنه راجعه في أمر الصلوات الخمسين، إلى أنْ جعلها الله خمساً.
فإنْ قلتَ: كيف يجتمع الضِّدان (ميت) و (حي) ويكون بينهما كلامٌ وتفاهم؟ نقول: يجوز ذلك لأنه فعل القدرة وطلاقة القدرة لله تعالى، فطلاقة القدرة لا ترتبط بقوانين الحيِّ والميت.
وسبق أنْ قلنا: إنه ينبغي أنْ ننسب الفعل للفاعل لنستريح، فهذه المسألة غَيْبٌ نؤمن به وننسب كلَّ عجيب فيها إلى مُنشئ هذا العجب.
تذكرون قصة سيدنا إبراهيم لما ألقوْهُ في النار، ماذا حدث؟ القانون أن النار تحرق، لكن ماذا إنْ أرادها الله بَرْداً وسلاماً وهي ما زالت ناراً مشتعلة؟ لما أرادها الله كانت بَرْداً وسلاماً على إبراهيم، وتعطَّل فيها قانون الإحراق.