ومن أمثال العوام: كم كبش في المرعى! وكم جدي في المسمط! يُضرب في أنَّ الموت بالأجل يلحق الصغار والكبار، وربما كان منه في الصغار أكثر منه في الكبار.
وذكر الغزالي في"الإحياء": أنَّ سفيان الثوري رحمه الله تعالى كان إذا شبع أحيا تلك الليلة، وكان يقول: من مجزوء الرمل
أَشْبَعَ الزُّنْجِيَّ وكرُهْ ... إِنَّما الزُّنْجِيْ حِمارُ
وروى أبو نعيم عن جبير بن نفير رحمه الله تعالى: أنَّ نفراً قالوا لعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: ما رأينا رجلاً أقْضى بالقسط،
ولا أَقْول بالحق، ولا أشدَّ على المنافقين منك؟ فأنت خير الناس بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
فقال عوف عن مالك رضي الله تعالى عنه: كذبتم والله، لقد رأينا خيراً منه بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
فقالوا: مَنْ هو؟
فقال: أبو بكر رضي الله تعالى عنه.
فقال عمر: صدق عوف؛ والله لقد كان أبو بكر رضي الله تعالى عنه أطيب من ريح المسك، وأنا أضلُّ من بعير أهلي.
وجملة: (وأنا أضل من بعير أهلي) - في كلامه - حالية.
أي: إنه كان أضل من بعير أهله في الحال الذي كان فيها أبو بكر رضي الله تعالى عنه أطيب من ريح المسك؛ فإنه كان في جاهلية بُرْهة من الزمان، وأبو بكر في إسلام وتصديق.
ونظير ذلك ما رواه الإمام أحمد، وغيرهُ: أنَّ الطاعون وقع بالشام، فقال عمرو بن العاص - رضي الله عنه: إنه رجس فتفرقوا عنه.
فقال شرحبيل بن حسنة رضي الله تعالى عنه: محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وعمرو أضلُّ من بعير أهله، وإنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"إِنَّهَا رَحْمَةُ رَبِّكُمْ، وَدَعْوَةُ نبِيّكُمْ، وَمَوْتُ الصَّالِحِيْنَ قَبْلَكُمْ".
فبلغ ذلك عمرو بن العاص، فقال: صدق.
وفي رواية: فبلغ ذلك شرحبيل فغضب، فقال وهو يجرُّ ثوبه معلق نعله بيده، فقال: صحبت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعمرو أضل من حمار أهله.
فأشار إلى أن حال الجاهلية كحال البعير والحمار في الجهل، بل هي أبلغ.