وقال حجة الإسلام الغزالي في"الإحياء": سُئل ابن المبارك: مَن الناس؟
فقال: العلماء.
قال حجة الإسلام: ولم يجعل غير العلماء من الناس؛ لأن الخاصة التي تتميز بها الناس عن سائر البهائم هو العلم، والإنسان إنسانٌ بما هو شريف لأجله، وليس ذلك بقوة شخصه؛ فإنَّ الجمل أقوي منه، ولا ليأكل؛ فإنَّ الجمل أوسع بطناً منه، ولا ليجامع؛ فإن العصافير أقوى على السفاد منه، بل لم يخلق إلا للعلم، انتهى.
أنشد أبو تمام في"الحماسة"للعباس بن مرداس: من الوافر
تَرى الرَّجُلَ النَّحِيفَ فَتَزْدَرِيْهِ ... وَفِي أَثْوابِهِ أَسَدٌ مَرِيرُ
ويعْجِبُكَ الطَّريرُ فَتَبْتَلِيهِ ... فَيُخْلِفُ ظَنَّكَ الرَّجُلُ الطرِيرُ
فَما عِظَمُ الرِّجالِ لَهُمْ بِفَخْرٍ ... وَلَكِنَّ فَخْرَهُمْ كَرمٌ وَخِيْرُ
ضِعافُ الطَّيْرِ أَطْولُها جُسُوماً ... وَلَمْ تَطُلِ البزاةُ وَلا الصُّقورُ
بُغاثُ الطَّيْرِ أَكْثَرُها فِرَاخًا ... وَأُمُّ الصَّقْرِ مِقلاةٌ نزورُ
لَقَدْ عَظُمَ البَعِيرُ بِغَيْرِ لُبٍّ ... فَلَمْ يَسْتَغْنِ بِالعِظَمِ البَعِيرُ
فَيَصْرِفُهُ الصَّغِيرُ بِكُلِّ وَجْهٍ ... وَيَحْبِسُهُ عَلى الحشفِ الْخَبِيرُ
والخبير في البيت الأخير يعني: الأَكَّار، ومنه المخابرة.
والطرير: ذو الرواء والمنظر، كما ذكره الجوهري، وأنشد البيت.
وروى ابن أبي حاتم، والضياء المقدسي في"المختارة"عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله تعالى: {وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً} [سورة الأنفال: 35] قال: المُكاء: الصفير، وإنما شبهوا بصفير الطير.
وروى الطستي عنه: أنَّ المكاء: صوت القنابر، والتصدية: صوت العصافير، وأنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يُصلي قائماً بين الحجر والركن اليماني، فيجيء رجلان من بني سهم، أحدهم عن يمينه والآخر عن يساره، فيصيح أحدهما كما يصيح المكاء، والآخر يُصفق بيديه تصدية العصافير.
ونقل القرطبي، وغيره عن السدي في الآية، قال: المكاء: الصفير على لحن طائر أبيض بالحجاز يُقال له: المكاء.
قال الشاعر: