فاستغرب العابد يضحك.
فقال له: مم تضحك؟
قال: من سُخف عقلك؛ ما رأيْتُ لك في هذه المسألة شبيهاً إلاَّ الكلب.
قال: وكيف؟
قال: الكلب يتمَعَّك في الجِيْفة، ويتلطَّخُ بدمها، فإذا أراد أن يبول رفع رجله حتى لا يُصيبه البول، وأنت بطنك حرامٌ كله، وتسأل عن ثيابك.
فاسْتعبر الملك، ونزل من حِيْنه عن دابته، وتجرَّد من ثيابه، فرمى عليه بعض العامة من أهل الدين ثوبًا، ثم قال لأهل دولته: انظروا لأنفسكم، فَلَسْتُ لكم بصاحب.
فاقتفى أثر العابد، فصعد معه إلى العبادة في موضعٍ عالٍ بقبة تلمسان، وأقام معه ثلاثة أيام، ثم أمره العابد بالاحتطاب، فجعل الملك يحتطب، ويبيع بسوق تلمسان، ويأكل ويتصدق بالفضل، فكان الناس إذا أتوا إلى العابد يسألونه الدعاء؛ يقول: اسألوا يحيى
الدعاء؛ فإنه خرج عن قدرة.
قال الشيخ محي الدين رحمه الله تعالى: ويُقال ذلك العابد كان أبا عبد الله التونسي، وقفت أنا على قبره وقبر الشيخ أبي مدين بظاهر تلمسان.
وروى الإمام عبد الله بن المبارك عن خالد بن معدان رحمه الله تعالى: لا يَفْقَهُ الرجل كل الفقه حتى يرى الناس في جنب الله أمثال الأباعر، ثم يرجع إلى نفسه فتكون هي أحقر حاقر.
ويروى هذا عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه.
ومعناه أن ليس إليه ولا إلى أحد من الخَلْق، ولا لهم من الأمر شيء، وأنَّ الأمر كله بيد الله تعالى.
ويحتمل أن يكون له معنى آخر.
روى أبو نعيم عن ميمون بن مهران رحمه الله تعالى قال: ما أقلَّ أكياسَ الناس، لا يُبصر الرجل أمره حتى ينظر إلى الناس، وإلى ما أمروا به، وإلى ما قد أكبوا عليه من الدنيا، فيقول: ما هؤلاء إلا أمثال الأباعر التي لا همَّ لها إلا ما تجعل في أجوافها، حتى إذا أَبْصر غفلتهم نظر إلى نفسه فقال: إني لأراني من شرهم بعيرًا واحدًا.
وروى الإمام أحمد، والحاكم وصححه، عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه: أنه سُئِلَ عن أَلْين كلمة سمعها من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:"أَلا كُلُّكُمْ يَدْخُلُ الجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ شَرَدَ عَنِ اللهِ شِرَادَ البَعِيْرِ عَلَىْ أَهْلِهِ".