لوّحت الآيات السابقة بالوعيد لمن غوى وضل سبيل الهدى واتبع الهوى فابتدع شرعًا لم يأذن به الله أو ادعى افتراءً على الله، وجاءَت هذه الآيات تهبّ بنسائم الرحمة وتفتح مغاليق الخير والبرّ، حتى لا ييئس عاص من رحمة الله، ولا ينقطع طمع مذنب من رجاء الله، فقال - تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ ... } الآية:
والمعنى: وهو الله - تعالى - الذي يتفضل بواسع فضله ووافر برّه ورحمته بقبول التوبة عن عباده يتجاوز عما تابوا عنه وأقلعوا عن فعله في ندم وحسرة، فإن التوبة الصادقة هي الرجوع عن المعاصي والندم عليها، والعزم على عدم معاودتها أبدا، روى جابر - رضي الله عنه - أن أعرابيا دخل مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: اللهم إني أستغفرك وأتوب إليك، وكبر فلما فرغ من صلاته قال له على - رضي الله عنه:"يا هذا، إن سرعة اللسان"
بالاستغفار توبة الكذّابين، وتوبتك هذه تحتاج إلى توبة، فقال: يا أَمير المؤمنين، وما التوبة؟ قال: اسم يقع على ستة معان: على الماضي من الذنوب الندامة، ولتضييع الفرائض الإعادة، وردّ المظالم، وإذابة النفس في الطاعة كما ربيتها في المعصية، وإذاقتها مرارة الطاعة كما أذقتها حلاوة المعصية، والبكاءُ بدل كل ضحك ضَحِكته.
(وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ) أي: يتجاوز عن جميع السيئات الكبائر والصغائر، وقيل: يعفو عن الكبائر، وعن الصغائر باجتناب الكبائر (وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ) أي: ويعلم كل ما تفعلونه كائنا ما كان، سرا أَو جهرا كبيرا أَو صغيرا خيرا أو شرا فيجازى بما شاءَ ويتجاوز عما يشاءُ حسبما تقتضيه مشيئته المبنية على الحكمة.
(وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) : يختص الله - تعالى - في هذه الآية الذين آمنوا وعملوا الصالحات بمزيد من الفضل تقديرا لأعمالهم، وبعثا لهممهم، واستجلابا لغيرهم في استباق الخيرات، والمبادرة إلى الصلوات، والكلام في قوله - تعالى: (وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا) على حذف اللام، أَي: يستجيب لهم كما في قوله - تعالى: {وَإِذَا كَالُوهُمْ} أي: كالوا لهم.