ولذا تحفَّظ الإمام أبو بكر بن العربي (توفي: 638 ه/1241 م) في كتابه العواصم من القواصم على تلك التأويلات الصوفية التي سماها"قدحات الخواطر، ولمحات النواظر". فقد تحدَّث في إحدى"القواصم"عن طائفة من هؤلاء الذين سماهم أصحاب الإشارات جاؤوا بألفاظ الشريعة من بابها، وأقروها على نصابها، لكنهم زعموا أن وراءها معاني غامضة خفية، وقعت الإشارة إليها من هذه الألفاظ. وبيَّن خطأهم في إحدى"العواصم".
فقد ذكر تأويلهم لقوله تعالى:"وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا" (البقرة: 114) ، وقولهم:"إن الله نبَّه بذلك على أنه لا أظلم ممن خرَّب أركان الإيمان بالشبهات. وهي قلوب المؤمنين، وعمَرها بالأماني، وشحنها بمحبة الدنيا، وفرّغها من محبة الله تعالى."
ورد ابن العربي ذلك بأن المراد بالمساجد في الآية: ذوات المساحات المتخذة للصلوات، وقلوب المؤمنين معروف حالها، مبيِّنة بأكثر من هذا البيان في مواضعها، ولا يُحتاج إلى ذلك فيها، ولا يدل اللفظ عليها.
وكذلك قولهم في الآية:"فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ" (طه: 12) ، إشارة إلى خلع الدنيا والآخرة من قلبه.
وفي الآية:"وَأَلْقِ عَصَاكَ" (النمل:10) ، أي: لا يكون لك معتمد ومستند غيري.
قال ابن العربي:"وهذه إشارة بعيدة، أو قُل معدومة، فإنها إلى غير مُشار. وما أمِرَ موسى بطرح النعل إلا لأحد وجهين: إما لأنهما كانا من جلد غير مذكّى، أو لئلا يطأ الأرض المقدسة بنعل تكرمة لها، كما لا يدخل الكعبة بها ..."
وأما إلقاء العصا، فقد بيّن الله تعالى الفائدة فيه. ومن يعتمد على العصا من طول القيام، أيقال له: إنه على غير الله يعتمد؟ هذه خرافة! فدع عنك نهباً صيح في حجراته، وعوِّل على كتاب الله ومعلوماته"."
ومثل ذلك قولهم في حديث:"لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب"بأن فيه إشارة إلى تطهير القلوب من الحسد والحقد والغضب والبخل والخديعة والمكر وسائر الصفات الذميمة. فإن منزلتها في القلب منزلة الكلاب من البيت. قالوا: ونحن نقرأ الحديث على ظاهره، ولكنّا نلحق به المعنى الآخر على سبيل الإشارة.""