وجدتُ عن الإمام أبي الحسن الواحدي المفسِّر (توفي: 468 ه/1076 م) أنّه قال: صنف أبو عبد الرحمن السُّلمِي (توفي: 412 ه/1021 م) حقائق التفسير،29 فإن كان قد اعتقد ذلك تفسيراً فقد كفر"."
قال ابن الصلاح:"وأنا أقول: الظنّ بمن يوثَق به منهم، إذا قال شيئاً من ذلك أنّه لم يذكره تفسيراً، ولا ذهب به مذهبَ الشرح للكلمة، فإنه لو كان كذلك كانوا قد سلكوا مسلك الباطنية، وإنما ذلك منهم لنظير ما ورد به القرآن: فإنَّ النظير يُذكر بالنظير؛ ومع ذلك فيا ليتهم لم يتساهلوا بمثل ذلك لما فيه من الإبهام والإلباس"!
وقال النسفيّ (توفي:710 ه/1310 م) في عقائده: النّصوص على ظاهرها، والعدول عنها إلى معان يدّعيها أهلُ الباطن إلحاد.
قال التفتازانيّ في شرحه: سُمِّيت الملاحدة باطنيّة لادّعائهم أن النصوص ليست على ظاهرها، بل لها معانٍ باطنية لا يعرفها إلى المعلم؛ وقصدهم بذلك نفي الشريعة بالكليّة.
قال: وأمّا ما يذهب إليه بعض المحققين من أن النصوص على ظواهرها، ومع ذلك فيها إشارات خفية إلى دقائق تنكشف على أرباب السلوك، يمكن التطبيق بينها وبين الظواهر المرادة، فهو من كمال الإيمان، ومحض العرفان".30"
ولكن بعض الصوفية بالغوا، حتى قال بعضهم: لكل آية ستون ألف فهم! واعتمدوا على بعض الأحاديث والآثار الواردة في ذلك، مثل ما ورد مرفوعاً:"إن للقرآن ظهراً وبطناً، وحداً ومطلعاً".
وقال ابن عباس:"إن القرآن ذو شجون وفنون، وظهور وبطون، لا تنقضي عجائبه، ولا تبلغ غايته".
ولكن هذا -إن صح- لا يدل على ما ادعاه أولئك الغلاة، فقد قال ابن عباس في الأثر نفسه:"فظهره التلاوة، وبطنه التأويل".
وهذا يعني الغوص وتعميق النظر لاستخراج جواهر القرآن، فهو لا تنقضي عجائبه حقاً. كما لمسنا ذلك في عصرنا، حيث يجد كل متخصص إذا تعمق فيه ما لا يجد في غيره من الكنوز.