وبيَّن ابن العربي أن هذا معنى فاسد من وجهين:
أحدهما: أنه يكاد يقطع بأن هذا لم يكن مقصوداً للنبي. (
والثاني:"أنّا وجدنا التصريح بتطهير القلوب من هذه الصفات الذميمة كلها منصوصاً عليه. فما الذي محوجنا إلى أن نأخذه على بُعد من لفظ آخر؟ هذا من الفن الذي لا يُحتاج إليه. وإنما هو احتكاك بتلك الأغراض الفلسفية، وهي عن منهج الشريعة قصية."31
قال السيوطي:
"والذي حرره هنا هذا الإمام: أن الصريح عام في الدين، به جاء البرهان، وعليه درا البيان، فلا يجوز أن يعدل بلفظ عن صريح معناه إلى سواه، فإن ذلك تعطيل للبيان، وقلب له إلى إشكال."
ونقل السيوطي: عن ابن عطاء الله السكندري (توفي: 709 ه/1309 م) في كتابه لطائف المنن أنه قال:"اعلم أن تفسير هذه الطائفة لكلام الله وكلام رسوله بالمعاني الغريبة، ليس إحالة للظاهر عن ظاهره، ولكن ظاهر الآية مفهوم منه، ودلت عليه في عرف اللسان، وثمّ' أفهام باطنة تفهم عند الآية والحديث لم فتح الله قلبه، وقد جاء في الحديث:"لكل آية ظهر وبطن"فلا يصدَّنك عن تلقي هذه المعاني منهم أن يقول لك ذو جدل ومعارضة: هذا إحالة لكلام الله وكلام رسوله، فليس ذلك بإحالة، وإنما يكون إحالة لو قالوا: لا معنى للآية إلا هذا، وهم لم يقولوا ذلك، بل يقرون الظواهر على ظواهرها مراداً بها موضوعاتها، ويفهمون عن الله تعالى ما أفهمهم."32
ورأيي أن يقبل من هذه الإشارات ما كان قريباً غير بعيد، مقبولاً غير متكلف، وكان في دائرة الشريعة وأحكامها، ولم يكن في الظاهر ما يغني عنه مما هو أنصع بياناً، وأوضح برهاناً.
ومنه ما يكون من باب التعليق على النص بإشارة دامغة، أو حكمة بالغة. مثل قول التستري (توفي: 283 ه/896 م) تعليقاً على آية:"وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوَارٌ" (الأعراف: 148) : عجل كل إنسان: ما أقبل عليه فأعرض به عن الله من أهل وولد.33
أما تكلفات بعض المفسرين في أن يكون لجميع آيات القرآن إشارات باطنية -كما نرى ذلك في (روح المعاني) للألوسي وغيره- فلا أراها مجدية ولا مقبولة.
* إسراف المدارس العقلية في التأويل: